فهرس الكتاب

الصفحة 5565 من 27345

ولقد انتبه لهذا كثير من الشباب المسلم والكُتّاب المسلمين؛ وهو أن من حق هذه الشهادة أن الحكم لله، نعم، أريد أن أقولها صريحة: لقد انتبه الشباب المسلم والكتاب المسلمين اليوم إلى هذه الحقيقة؛ وهي أن الحكم لله عز وجل وحده، وأن تسليط القوانين الأرضية، واعتمادها لحل المشاكل القائمة اليوم؛ ينافي كون الحكم لله عز وجل، ولكنني أرى كثيرًا من هؤلاء الكتاب لا ينسجمون مع هذا الانتباه الخطير الذي انتبهوا له؛ وهو كون الحكم لله عز وجل، وحكم الله هو حكم الكتاب والسنة .

تُرى هل إذا جاء حكم مخالفٌ من فلان الكافر فهو مخالف لحكم الله؛ وإذا جاء من اجتهاد مجتهد مخطئ لا يكون مخالفًا لحكم الله ؟!

أنا أعتقد أنه لا فرق؛ إذ إنه يجب على المسلم أن لا يأخذ بأي قول مهما كان مصدره، ما دام أنه يخالف الكتاب والسنة، لكن هناك فرقًا بين ذاك الذي قال ذلك الكفر؛ فهو كافر مخلد في النار؛ وبين من قال ذلك خطأ من المسلمين؛ فهو مأجور على خطئه.

إذًا: يجب الرجوع إلى الدين بعد محاولة وسلوك طريق فهم هذا الدين، وذلك يكون بتطبيق الفقه الذي يسمى اليوم بالفقه المقارن، وهذا الفقه يجب أن يُدرّس، وأن يدرسه أهل الاختصاص من حملة الشهادات الشرعية الفقهية والحديثية.

الرجوع إلى الدين هو الرجوع إلى الكتاب والسنة؛ لأن ذلك هو الدين باتفاق الأئمة، وهو العصمة من الانحراف والوقوع في الضلال، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: [ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيئَينِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا كِتَابَ الله وَسُنَّتِي وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ] صحيح الجامع [2937] . وضربنا بعض الأمثلة التي توجب على أهل العلم اليوم أن يرجعوا إلى فهم الدين من أصليه المذكورين: الكتاب والسنة؛ لكيلا يقع المسلمون في استحلال ما حرم الله؛ متوهمين أنه مما أباحه الله .

كلمة أخيرة حول الرجوع إلى الدين:

إذا أردنا العزة من الله تبارك وتعالى، وأن يرفع عنا الذل، وينصرنا على العدو؛ فلا يكفي لذلك ما أشرنا إليه من وجوب تصحيح المفاهيم، ورفع الآراء التي أولت الأدلة الشرعية عند أهل العلم وعند أهل الفقه الاختصاصي.. وإنما هناك شيء آخر مهم جدًا ـ وهو بيت القصيد ـ لتصحيح المفاهيم؛ ألا وهو العمل؛ لأن العلم وسيلة للعمل، فإذا تعلم الإنسان، وكان عمله صافيًا مصفّى، ثم لم يعمل به؛ كان بدهيًا جدًا أن هذا العلم لا يثمر، فلابد من أن يقترن مع هذا العلم العمل .

ويجب على أهل العلم أن يتولوا تربية النشء المسلم الجديد على ضوء ما ثبت في الكتاب والسنة، فلا يجوز أن ندع الناس على ما توارثوه من مفاهيم وأخطاء؛ بعضها باطل قطعًا باتفاق الأئمة، وبعضها مختلف فيه، ولو وجه من النظر والاجتهاد والرأي، وبعض هذا الاجتهاد والرأي مخالف للسنة .

فبعد تصفية هذه الأمور، وإيضاح ما يجب الانطلاق والسير فيه؛ لابد من تربية النشء الجديد على هذا العلم الصحيح.

وهذه التربية هي التي ستثمر لنا المجتمع الإسلامي الصافي، وبالتالي تقيم لنا دولة الإسلام.

وبدون هاتين المقدّمتين: [العلم الصحيح] ، و [التربية الصحيحة على هذا العلم الصحيح] يستحيل ـ في اعتقادي ـ أن تقوم قائمة الإسلام، أو حكم الإسلام، أو دولة الإسلام.

وأضرب مثلًا لضرورة هذه التربية الصحيحة على العلم الصحيح:

تجد من هؤلاء الشباب الطيب من يستحلون الاستماع للأغاني وآلات الطرب ! وذلك لأنهم يجدون الإذاعات تملأ الأسماع، ولا يوجد هناك توجيه عام لهذا النشء المسلم الجديد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عن آلات المعازف، وحذر من الاستماع إليها، وهدد الذين يمسون في لهو ولعب، ويستمعون إلى المعازف أن يمسخوا قردة وخنازير .

لم يُرَبَّ هذا النشء الجديد على معرفة ما يجوز وما لا يجوز، وذلك لأنه يجد أقوالًا كثيرة؛ يجد مثلًا ابن حزم الإمام له رسالة في إباحة الملاهي، وسرعان ما تطبع هذا الرسالة وتنتشر بين الناس، فتوافق منهم هوى.. وربما قال بعض الموجهين وبعض من يدعي الإصلاح: ما دام هذا إمامًا وله مثل هذا الرأي؛ إذًا نحن نتبعه أو نقلده في سماعنا للطرب؛ لا سيما وقد أصبحت بلوى عامة .

فأين السنة حينئذٍ ؟! إن السنة أصبحت نسيًا منسيًا !

وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام جعل العلاج في رفع الذل المخيم علينا إنما هو بالرجوع إلى الدين؛ فيجب علينا إذًا أن نفهم الدين بواسطة أهل العلم فهمًا صحيحًا، موافقًا للكتاب والسنة، وأن نربي النشء الصالح الطيب على ذلك، وهذا هو الطريق لمعالجة المشكلة التي يشكو منها كل مسلم.

وقد أعجبتني كلمة ـ هي في الواقع كأنها خلاصة لما قلته أو بينته آنفًا ـ لبعض المصلحين في العصر الحاضر، وهي في رأيي كأنها من وحي السماء؛ يقول: [أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم] .

ولابد من أن نصلح نفوسنا على أساس من إسلامنا وديننا، وهذا ـ كما ذكرنا ـ لا يكون بالجهل؛ وإنما بالعلم؛ حتى تقوم دولة الإسلام على أرضنا هذه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت