فهرس الكتاب

الصفحة 24839 من 27345

منزلة الشكر ...

الحمد لله المتوحد بالجلال بكمال الجمال تعظيمًا وتكبيرًا ، المتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديرًا وتدبيرًا ، المتعالي بعظمته ومجده الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراُ ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ،ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، أما بعد:

فإن شكر نعمة الله سبحانه واجبة على كل مسلم ، لذا جعلها الله سبحانه شرطًا للعبادة الصحيحة إذ قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون ) (172) . -البقرة

بل جعل الله سبحانه عدم شكره على ما أنعم على عباده كفرًا إذ قال: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ) . ( (152 . البقرة

فكل من لا يشكر النعمة يكون كافرًا بها لم يرق بعد إلى درجة الإيمان الواجبة كما جاء في الحديث عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا: ( من صنع إليه معروف فليجز به ، فإن لم يجد ما يجزي به فليثن ، فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره وإن كتمه فقد كفره ، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور ) .رواه البخاري في الأدب المفرد ، والترمذي وأبو داود .

وشكر الله واجب على كل نعمة صغيرة وكبيرة ، لأنه من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله سبحانه كما في حديث النعمان بن بشير مرفوعًا: (من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ، والتحدث بنعمة الله شكر ، وتركه كفر ، والجماعة رحمة والفرقة عذاب ) . رواه أحمد في مسنده ، والبيهقي في شعب الإيمان وهو حديث حسن .

والشكر منزلة عظيمة من منازل الإيمان ، بل هو من أعلى المنازل إذ جاء في الأثر أن الإيمان نصفه شكر ، ونصفه صبر ، ومن لم يشكر الله على نعمه لم يصبر على ابتلائه لذا كان أكثر الناس شكرًا لله سبحانه الأنبياء عليهم السلام ، فقد قال الله سبحانه عن عبده نوح: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) . (3) الإسراء وقال عن إبراهيم: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِين ) . النحل - 121 - وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ ) . (66) .الزمر

وكان صلى الله عليه وسلم إمامًا للشاكرين فقد جاء في الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم: ( كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه ، فقيل له يا رسول الله أما غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال صلى الله عليه وسلم: أفلا أكون عبدًا شكورًا ) .

ولما كان الشكر منزلة عظيمة ودليلًا واضحًا على صدق الإيمان ، كان أهله قلة كما في قوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) . (13) . سبأ

وهذه حقيقة أهل الإيمان أنهم قلة كما في قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ(13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ) . الواقعة -13-14 - وقال سبحانه: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) . يوسف -103 - وقال تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) . ص -24-

ولذلك عرف إبليس أهمية الشكر وأنه طريق لتسخير القلوب فقال في علو واستكبار: (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين) . الأعراف -17- وهذا دليل آخر على أن الشاكرين للشيطان كثر ، وأن الشاكرين للرحمن قلة وقد أقر الله سبحانه إبليس على قوله إذ قال: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) . سبأ (20)

الناس قسمان

ورغم أن الشاكرين لله قلة جعل الله سبحانه الناس قسمين إما شاكرًا وإما كفورًا قال تعالى: ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) . (3) الإنسان

وقد دل على ذلك أيضًا الحديث الآنف الذكر: ( من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ، والتحدث بنعمة الله شكر ، وتركها كفر ) .

علامات الشكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت