د. حمود بن غزاي الحربي*
اجتماع كلمة المسلمين ووحدتهم وحماية صفهم من الفرقة والخلاف والتصدع أمر حثنا الله سبحانه وتعالى عليه في كتابه الكريم في غير موضع منه، وهو نهج دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السير عليه وأمرنا بالتمسك به.
ولقد ضرب الله سبحانه وتعالى لنا الأمثال بالأمم من قبلنا، وبين هلاكهم وضلالهم بسبب اختلافهم وتفرقهم، وكذلك حذرنا جل وعلا من الوقوع فيما وقعوا فيه، يقول الحق سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (1) .
وإذا كان القرآن الكريم قد عني بهذا الجانب؛ فقد عنيت السنة النبوية ببيان خطورة سلوك هذا السبيل، سبيل الفرقة والاختلاف, وكان سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم يوجه صحابته، والخطاب عام لهم ولمن بعدهم، إلى خطورة هذا الأمر؛ فقد سمع صلى الله عليه وسلم أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج صلى الله عليه وسلم يُعرف في وجهه الغضب، فقال: (( إنما هلك من كان قبلكم من الأمم باختلافهم في الكتاب ) ) (2) .
وإذا كانت سنة الخالق سبحانه وتعالى في الأمم من قبلنا أنهم لما تخلوا عن حبل الله المتين وخالفوا أمره شتت شملهم وضرب قلوب بعضهم ببعض وأذاق بعضهم بأس بعض؛ فسنته تعالى في أمة محمد صلى الله عليه وسلم كسنته في غيرها من الأمم، لا فرق بينها وبين تلك الأمم؛ فإن اعتصمت بحبله والتزمت نهجه جمع شتاتها، ووقاها الفرقة والعداوة والاختلاف، وإن زاغت عن منهجه إلى مناهج أخرى شتت الله شملها وألقى بينها العداوة والبغضاء حتى تعود إلى منهج الله تعالى ( [1] ) .
ولقد كانت هذه الأمة الربانية مضرب المثل في الاجتماع والاتفاق، والمودة والرحمة فيما بينها، حتى سجل لنا التاريخ صورة نقية واضحة عن المؤاخاة التي حصلت بين المهاجرين والأنصار، والأوس والخزرج وغيرهم، وغيرهم كثير.
وإذا كان هذا الأمر مما يرضي المؤمنين ويفرح المتقين؛ فقد أغاظ أعداء الله وأولياء الشيطان وعلى رأسهم زعيمهم وقائدهم إبليس.
لذا فقد جد إبليس لعنه الله في إحداث الفرقة والاختلاف بين المسلمين، وظفر في ذلك بما لم يظفر به في غيره، ودخل عليهم من كل باب، وأغراهم بكل سبل الإغراء، فإن رأى أن باب الدنيا أيسر له في التفريق بين قوم منهم دخل من باب الدنيا بالمال، والجاه، والمنصب، والقبيلة والعشيرة والأرض.. والنساء، وإن رأى أن باب التدين والعبادة والعلم أيسر له في التفريق بين آخرين، دخل عليهم من هذا الباب، فأغرى بعضهم في الاجتهاد، وأغرى الآخرين بالتقليد، وأغرى هؤلاء بالتشديد، وأغرى غيرهم بالتيسير.. وأغرى قومًا بالقياس وحثهم على المبالغة فيه، كما أغرى آخرين بالابتعاد عنه وذمه وعدم الاعتبار به؛ لأنه من أهم أسباب معصية إبليس وخروجه عن طاعة الله، وأغرى قومًا بالمبالغة بالتكفير، فكل من ارتكب كبيرة يجب أن يحكم عليه بالكفر، ولو أتى بما أتى من أحكام الإسلام الأخرى. كما أغرى آخرين بالبعد عن تكفير الناس ما داموا على معرفة بالله تعالى ولو لم يستجيبوا لأي أمر من أوامره، أو لم ينتهوا عن أي شيء نهاهم الله عنه ( [2] ) .
ولقد نجح فيما يصبو إليه فنتج عن ذلك"التفرق والافتراق الذي صدع بنيان الأمة وزعزع كيانها، حتى صارت مطموعًا بها لزوال وحدتها وذهاب سمتها الربانية حتى ذاقوا أصناف الذلة والعذاب" ( [3] ) .
والتفرق والافتراق الذي ذاقت منه الأمة الإسلامية في القرون الأولى كل أنواع البلاء لا زال يسومها حتى هذا الزمن، فيقتل أبنائها ويشتت آراءها، ويعرقل مسيرتها، ويجعل كل قوم بما لديهم فرحون.
لذا تشكو خير أمة أخرجت للناس من أنواع الذل والعذاب والاستكانة ما جعلها ضعيفة في قوتها هزيلة في وحدتها، متناقضة في آراءها مختلفة في تفكيرها، والسر وراء ذلك كله قول الحق تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ( [4] ) .