فهرس الكتاب

الصفحة 8218 من 27345

الشمائل النبوية آثارٌ وأخبارٌ د. محمد عمر دولة*

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسولِ الله الأمين، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، وبعد، فليست الشمائلُ النبوية مجردَ قصصٍ وأخبار، وإنما نفحاتٌ وآثارٌ، وما زال دأبُ الصالحين تتبُّع آثار النبي صلى الله عليه وسلم العِلمية والعَمَلية.

وقد أخرجَ البخاري رحمه الله في كتاب الحج (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: العقيقُ وادٍ مُبارَك) عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم: (قد أناخ بنا سالم يتوخَّى بالمُناخِ الذي كان عبد الله يُنِيخُ يتحرَّى مُعَرَّسَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي) .

ذَكرَ العقيقَ فهاجَه تَذكارُهُ ** صَبٌّ عن الأحبابِ شَطَّ مزارُهُ

وهَفَت إلى سَلعٍ نوازعُ قلبِهِ ** فتَضَرَّمَت بين الجوانِحِ نارُهُ

لولا هواهُ لَما ثَنت أعطافَهُ ** بانُ الْحِجازِ ورَنْدُهُ وعَرارُهُ!

ورَحِم الله المحبَّ الطبري ما أحسنَ قولَه في (القِرى لقاصِدِ أُمِّ القرى) :"ينبغي لِمَن قَصَدَ آثارَ النُّبوَّةِ أن يَعُمَّ بِصَلاتِهِ الأماكنَ التي هي مَظِنَّةُ صَلاتِهِ صلى الله عليه وسلم فيها؛ رجاءَ أن يَظْفَرَ بِمُصَلَّى النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم مِن كلِّ مكانٍ:"

خليليَّ هذا رَبعُ عَزةَ فاعْقِلا ** قَلُوصَيْكُما ثم انزِلا حيثُ حَلَّتِ

ومُسَّا ترابًا طيِّبًا مَسَّ ذيلَها ** وبيْتًا وظِلًا حيثُ باتَتْ وظَلَّتِ

ولا تيْأسا أن يعفوَ الله عنْكما** إذا أنتُما صلَّيْتُما حيثُ صَلَّتِ" [1] "

فهذه الأرضُ قد وَطئتها أقدامُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وفاحَت في أرجائها أنفاسُه الطاهرة, وسار في جَنباتِها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين.

وأستشرفُ الأعلامَ حتى يدلَّنِي ** على طِيبِها مَرُّ الرِّياحِ النَواسِمِ

وما أنسمُ الأرواحَ إلا لأنَّها** تَمُرُّ على تلك الرُّبَى والمعالِمِ!

ورَحِم الله ابنَ دقيق العيد حيث قال:

يا سائرًا نحوَ الحجاز مُشمِّرًا ** اجْهَدْ فَدَيْتُك فِي الْمَسِير وَفِي السُّرى

إنْ كَلَّتِ النُّجبُ الركائبُ تارةً ** فأعِدْ لَهَا ذِكْرَ الحَبيبِ مُكَرَّرا

قِفْ بالمنازلِ والمَناهِلِ مِن لَدُنْ ** وادي قباءَ إِلَى حِمى أمِّ القُرَى

وتوَخَّ آثارَ النَّبي فَضَعْ بِهَا ** مُتَشرِّفًا خَدَّيكَ فِي عَفْر الثَّرَى

وَإذَا رَأيتَ مَهابِطَ الوحيِ الَّتِي ** نَشَرتْ عَلَى الآفاق نُورًا نَوَّرَا

فاعلَمْ بأنَّكَ مَا رَأيتَ شَبِيهَهَا ** مُذْ كُنتَ فِي ماضيَ الزَّمان ولا يُرى

شَرفًا لأمكنةٍ تَنَزَّلَ بَيْنَها ** جِبْريلُ عن ربِّ السماءِ مُخَبِّرا

فَتَأَثَّرَتْ عنهُ بأحسنِ بَهجةٍ ** أَفدِي الجَمالَ مُؤثَّرًا ومُؤَثِّرا

فتردَّدَ الْمُختارُ بَيْنَ بَعِيدِهَا ** وقَرِيبِها مُتَبدِّيًا مُتَحَضِّرَا

ولله درُّ ابنِ قدامة حيث قال رحمه الله:"أما المدينة الشريفة، فإذا لاحتْ إليك فتذكَّرْ أنها البلدةُ التي اختارها الله لنبيِّهِ محمد صلى الله عليه وسلم وشرع إليها هجرته وجعل فيها تُربتَه، ثم مثِّلْ في نفسِك مواضعَ أقدامِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عند تردُّدِهِ فيها وتصوَّرْ خشوعَه وسكينتَه؛ فإذا قصدتَ زيارةَ القبرِ فأحْضِرْ قلبَك لتعظيمِهِ والهيبةِ له، ومثِّلْ صُورتَهُ الكريمة في خيالِك، واستحضِرْ عظيمَ مرتبتِهِ في قلبِك، ثم سَلِّمْ عليه، واعلمْ أنه عالِمٌ بحضورِك وتسليمِكَ كما وردَ في الحديث". [2]

ورَحِم الله ابنَ الصباغ حيث قال:

يا ربعَ دارٍ حلََّ فيها أحْمدُ ** والسادةُ الْخُلفاءُ والأبرارُ!

مَن لي بِخَدٍّ في ثَراك مُمَرَّغٍ ** ودُمُوعِ عَينٍ سَحُّها مِدْرارُ!

مَن لِي بِلَمحةِ نظرةٍ يُطفَى بها ** من لَفحِ مَلهُوبِ الجوانحِ نارُ!

من لِي بِمَوردِ عَذبِ ماءٍ بَرْدُه ** يُشفَى به صَبٌّ بَراه أُوارُ!

مَن لِي بأنْ أحظَى بزورةِ مَنْزلٍ ** لِلوَحيِ في جَنَباتِه آثارُ!

وقد كان علماءُ المسلمين وفُضلاؤهم يتحملون عَناءَ الأخطارِ ووَعثاءَ الأسفار، ولا يرغبون بأنفُسِهم عن زيارةِ النبي صلى الله عليه وسلم. كما نقلَ الحطاب عن المازري رحمهما الله:"لقد عُمِلَ مجلسُ شيخِنا أبي الحسن اللَّخْمي بصفاقص [3] وحولَه جمعٌ من أهل العلم مِن تلامذتِه وهم يتكلَّمون على هذه المسألة فأكثروا القول والتنازع فيها: فمن قائلٍ بالإسقاطِ ومِن مُتوقِّفٍ صامتٍ، والشيخُ رحمه الله لا يتكلَّمُ، وكان معنا في المجلسِ الشيخ أبو الطيِّب الواعظ، وكُنا ما أبصَرْناه. فأدخلَ رأسَه في الحلقة، وخاطبَ الشيخَ اللَّخمي، وقال: يا مولاي الشيخ"

إنْ كان سَفكُ دمي أقصَى مُرادِهم ** فما غَلَتْ نظرةٌ منهم بِسَفكِ دمي!

فاستَحسنَ اللَّخمي هذه الإشارة". [4] "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت