فهرس الكتاب

الصفحة 965 من 27345

محمد خيرى بن عبد المجيد

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله - تعالى- من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وبعد:

قال -تعالى-: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) ) (آل عمران: 102) ، وقال - تعالى-: (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا ) ) (النساء:1) ، وقال - تعالى-: (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا ) ) (الأحزاب: 70-71) ، وبعد:-

فمما لاشك فيه أنه ينبغي على أفراد الفئة المسلمة أن تراجع نفسها مراجعة دقيقة حتى تستكشف جوانب الخلل فيها، ولماذا هذا التراجع المرير لهذه الفئة في التأثير على (الآخر) ، وستكشف لنا هذه المراجعة عن أخطاء تتراوح بين القلة والكثرة، وفى هذا المبحث سنتناول أحد هذه الأخطاء وهى أزمة فقدان العقل المبدع أو العقل المفكر، وهى أزمة تربوية في الأساس، تنتج نتيجة ممارسات تربوية خاطئة ينتج عنها تفرد آحاد بالتفكير، والباقي أو البقية تجلس في مقاعد المتفرجين أو المستمعين، وفى أغلب الأحيان المصفقين!!، وتنبع أهمية الموضوع من عدّة نقاط:

1-أن آيات القرآن تدعو إلى التفكر في الآيات الكونية، وفي الأنفس، ومن آيات الله في الكون قوله - تعالى-: (( هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون(10) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون )) (النحل:12) يقول ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالى - في تفسير قوله - تعالى-: (( إن في ذلك لآية ) )يقول جل ثناؤه: إن في إخراج الله بما ينزل من السماء من ماء ما وصف لكم لآية: يقول: لدلالة واضحة وعلامة بينة {لقوم يتفكرون} يقول: لقوم يعتبرون مواعظ الله، ويتفكرون في حججه فيتذكرون وينيبون، ويقول في تفسير قوله - تعالى-: (( إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) )يقول - تعالى- ذكره: إن في تسخير الله ذلك على ما سخره لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله ويفهمون عنه تنبيهه إياهم" (1) فالقرآن ليس كتاب تاريخ أو جغرافيا، أو علوم طبيعة، ولكنه رسم للعقول دروبًا تسدد الفكر، وأوجد المناخ العلمي كي ينتفع الناس بما سخر الله لهم مما في الأرض، ويستنبطوا في العلوم ما ينفعهم ولا يضرهم."

أوجد القرآن المناخ العلمي لينتفع الناس من التاريخ والجغرافيا، فذكر أسباب التقدم وأسباب الانهيار عند الأمم (( قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) ) (الإنعام: 11) ، فالمناخ العلمي هو الذي يسمح بالإبداع، وطرح الأسئلة، ولذلك شنع القرآن على الجمود، وعلى الذين يقولون: (( إنا وجدنا آباءنا ) ) (الزخرف:23) .

إن الله - سبحانه - عندما أعطى الإنسان قوى العقل ليفكر أراد منه أن يكون التفكير طريقًا لما هو أنجح وأقوى وأحكم، ولم يعطها للإنسان ليجعلها خيالات وخرافات يقول الشيخ ابن عاشور:"إن إصلاح التفكير من أهم ما قصدته الشريعة الإسلامية في إقامة نظام الاجتماع، وبهذا نفهم وجه اهتمام القرآن باستدعاء العقول للنظر والعلم والاعتبار". (3) .

كما يدعو القرآن إلى التفكير بشكل عام، والتخلص من إرث الآباء والأجداد كما في قوله - تعالى-: (( قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) ) (سبأ: 46) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت