ناصر الحنيني 24/10/1423
الحمد لله القائل (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا وما يذكر إلا أولو الألباب) والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ) وعلى آله ومن اهتدى بهداه ومنهجه في كل حياته إلى يوم الدين أما بعد:
فإنه حرىّ بالدعاة إلى الله أن يلزموا المنهج الصحيح القويم في أعمالهم الدعوية والحركية لأجل حصد الثمرة الموجدة , ولتتوج الجهود بعمل موفق بإذن الله .
ولعل غياب المنهج في الرد والمناقشة ساهم بشكل مباشر في إيجاد الأزمات وتفعيل الخصومات بين المناقشين والمتحاورين . فضلًا عن دخول حظوظ النفس والانتصار لها في كثير من تلك الاطروحات، من هذا المنطلق سوف أذكر في الأسطر القادمة بعض القواعد في الرد والمناقشة على سبيل الإجمال وفي الإشارة ما يكفي عن بسط العبارة:
القاعدة الأولى: النظر والتأمل في الرد قبل إذاعته ونشره:
إن مما يجنبنا الزلل في كثير من أمورنا: تجنب العجلة في كتاباتنا وطروحاتنا ولعل من أبرز فوائد ذلك:
أ- عند مراجعة الكلام أكثر من مرة سيجد الإنسان بعض الأخطاء وهذا أمر متواتر معلوم لكل أحد وقد نص عليه بعض العلماء في القديم والحديث ؛ ولهذا قد يندم البعض على ما كتب بعد فترة من الزمن عندما يتقدم به العمر ويصبح أكثر علمًا ونضجًا وأكثر فهمًا.
وبهذه المناسبة أذكر موقفًا حدث بين يدي وذلك حين مقدم الإمام العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني-رحمه الله- أرض الجزيرة وقد اجتمعت معه وبعض الفضلاء في أحد مجالسه العلمية وذات مرة جاء شاب مبتدئ في طلب العلم وخاصة علم الحديث فقال للشيخ: يا شيخ أنا عندي رد عليك أريد أن أطبعه ولكن قبل طباعته أريد أن تطّلع عليه . فضحك الشيخ وتبسم في وجهه وقال له: يا بني كم لك في طلب العلم؟ قال: خمس سنوات ،قال له: وفي علم الحديث؟ قال: سنتان ، قال وهل ألفت كتابًا قبله ؟ قال: لا قال: لك سنتان في علم الحديث وتؤلف !!! وأول مؤلف لك هو رد على الآخرين ؟! قال الشيخ: أنا أنصحك أن تحتفظ به فترة حتى تزداد علمًا ثم انظر فيه مرة أخرى سوف تجد أنك تراجعت عن بعض ما فيه ثم قال: وأنا لا أقول لك هذا لئلا ترد علي ولكن أقول لا تستعجل في إخراجه ثم قال: بعض كتبي كتبتها منذ خمسين عامًا وما زلت أراجعها كل فترة ويتبين لي فيها أمور وأعدل عليها .
ب - تجنب اتهام الأشخاص والقدح فيهم فإن المسألة تكون هينة حينما تكون تعبيرًا عن وجهة نظر شخصية أما إذا أصبحت القضية ردًا على عالم من علماء الإسلام المشهود لهم بالجهاد والعلم والفقه بالواقع ومخططات الأعداء فإن الشخص عليه أن يتأنى ولا يستعجل فإنها مسألة تحتاج إلى بحث ونظر .
ج - العدل في الأقوال والأحكام التي نصدرها فقد نتراجع عما كنا نراه قدحًا ويصبح بعد التأمل أمرًا ممدوحًا،والتأني يمكِّننا من الاطلاع بدقة على ما أصاب فيه الشخص المنتقد وما أخطأ فيه.
د- بالتأني يكون للشخص فسحة للاستنارة برأي غيره من طلاب العلم ممن يوافقه أو يخالفه حتى يخرج بنتيجة هي أقرب للصواب .
هـ - التوفيق لمعرفة المصالح والمفاسد المترتبة على مثل هذه الكتابة وبغير التأني لا يمكن ذلك لأنه لم يعط نفسه الفرصة للتأمل والتفكير فقد يكون المستفيد منها ممن يصطادون في الماء العكر وهم كثر لا كثرهم الله .
القاعدة الثانية: رد المتشابه إلى المحكم
إن من العجيب في نقاشنا وردودنا تركنا للمحكم من أقوال الرجال (المحكم يعني: الواضح الذي لا يمكن أن يلتبس على أحد) ونعمد إلى المتشابه ( المحتمل لأكثر من وجه ) وليس الأمر كذلك بل نأخذه بأسوأ الوجوه وهذا منهج -في نظري- مجانب للصواب بل نص الأئمة أن يتعامل مع أقوال الرجال مثل ما يتعامل مع الأدلة فلا يؤخذ المتشابه بمعزل عن النظر إلى المحكم البين الواضح الذي لا لبس فيه .
القاعدة الثالثة: لا بد من التفريق بين المسلمات والمحكمات والأصول وبين ما يقبل الاجتهاد وله حظ من النظر .
فالبعض يجعل من خلاف الرأي في قضية ما تهمة في المقصد والنية والعقيدة !! مع أن القضية اجتهادية لم يرد فيها نص بل هي من نوازل هذا العصر ومع هذا نطلق عليها (مزالق خطيرة ) .
فمثلًا حرمة موالاة الكفار ونصرتهم ضد المسلمين من الأصول والمسلمات التي لا يسوغ فيها الخلاف لأنها ناقض صريح وواضح أجمعت الأدلة وأهل العلم عليه.
ولكن الحوادث الأخيرة كما في مسائل الجهاد والسياسة الشرعية مسألة حادثة ونازلة لا يمكن أن تجعل أصلًا يوالى ويعادى عليها ولكل مجتهد رأيه ولا يفسق ولا يبدع ولا يضلل لا الفاعل ولا المفتي بجوازها .
القاعدة الرابعة:جمع كل ما ورد في الباب:
وأعنى به: جمع أدلة وأقوال من تريد أن ترد عليه و الاطلاع عليها حتى لا يتهم بما ليس فيه لأننا بجمعنا كل ما قاله الشخص نخلص إلى رؤية واضحة فنعرف العدو من الصديق والصادق من الكاذب .