فهرس الكتاب

الصفحة 2985 من 27345

إنْ لمْ تكنْ شجاعًا..فلا تكن جبانًا..

هناء الحمراني 8/8/1426

تخيّل نفسك مع زميل لك في العمل..أنت الآن في حالة من الغضب الشديد إثر خلاف وقع بينك وبين المدير..

يداك تتحرّكان في الهواء..ثم لا تلبث أن تقع بقبضتك على المكتب بعصبيّة..

حاجباك معقودان..ونظراتك حادة..وصوتك عالٍ لدرجة كافية تعبّر فيها عن غضبك واحتجاجك.. وحينما تشعر بخطوات أقدام ينخفض صوتك تلقائيًا لكي (لا يسمع صوتك شخص آخر) ..

بعيدًا عن الأفكار الجاسوسية..وعمليات التنصّت التي يمارسها البعض..ولنستبعد إمكانية أن يكون زميلك الذي تتحدث إليه نمّامًا..تخيّل..أقول: تخيّل أنك في تنفيسك الذي نعتّ فيه المدير بأسوأ الألفاظ التي تسمح به أخلاقك..تخيّل أنّ المدير يدخل عليك في تلك الأثناء..بصراحة..رجاء..كن صريحًا..

ما هي ردة فعلك آنذاك؟

كرد فعل طبيعي..قد تنتفض مرعوبًا، وكأنك ترى مصّاص دماء..ثم يصبح وجهك أصفر اللون بعد أن كان محمرًّا من شدة الغضب..هممم..وماذا أيضًا؟ ستحشر رأسك بين أوراقك..والله وحده يعلم ما هي ردة فعل زميلك الذي ربما يكون أجبن منك؛ فيحشر رأسه في سلة المهملات، وكأنه يبحث عن ورقة سقطت سهوًا..وربما يكون نذلًا؛ فينظر إليك بسخرية (لقد وقعت في الفخ) ...

هل نجحت في وصف المشهد؟

ربما أجد من بينكم من يعترض على هذه الصورة..وتأبى نفسه إلا أن يصف ردود فعل أخرى.. كأن تحملق بعينيك وتركزهما في عيني مديرك، وكأنك تتحداه.. فالمسألة (خربانة..خربانة) وما دام أن الأمر وصل إلى هذا الحد..فلا يضر الشاة السلخ بعد الذبح. ومع هذا أيضًا..فلا أزال أصر أن فقرة (الرعب والقشعريرة) هي أول عرض يصيبك عند دخول المدير..ولو لجزء من الثانية..

لأقف عن التحدث بأسلوب المخاطب..ولنستبدل (أنت) بـ (هو) ..لأن السيد (هو) سيحتمل الكلام الذي سيُقال الآن..ولكن السيد والسيدة (أنت) لن يُكملا المقالة مع بدء توجيه الاتهام الذي سأوجهه الآن..

سيداتي وسادتي: إن السيد (هو) - وكثير منا ربما يكون الـ (هو) هذا- حينما يمارس مثل هذا التصرف..أعني فرد العضلات والتهديد..والشتم..وإلقاء التهم على الطرف الآخر، والذي يكون غائبًا عن هذه (المصارحة) ..ليس إلا جبانًا..

تخيّل أنك أنت زميل السيد (هو) وأنك تمارس الإنصات بكل إخلاص.. كيف ستكون نظرتك إليه حينما يتقوقع ويصمت خوفًا عند مقابلة خصمه..؟ ربما أكون مجحفة نوعًا ما حينما أقوم بالإجابة عنكم، وأصدر حكما بأنكم ستشعرون بالاحتقار إزاءه..

أو على الأقل الشعور بالرثاء من أجله؛ لأنكما تشتركان في ذات المعاناة..

لماذا يتجه (هو) إلى هذا النوع من التنفيس؟ قد يبدو السؤال ذا إجابة تلقائية.. فنحن أحيانًا لا نمتلك القدرة على أن نكون صرحاء..بمعنى أوضح لا نمتلك الشجاعة لنفصح عن رأينا..ونفضل أن نلعن الظلام بدلًا من أن نوقد الشمعة..

وأحيانًا أخرى قد تودي بنا الصراحة إلى مدارك سيئة إذا كنا ضعفاء..ولذلك أيضًا-وللأسف- نهرب إلى الخفاء لنصرخ..ونشجب..ونستنكر..

ولكننا أيضًا..لا يمكننا أن نعتبر هذا السلوك حميدًا..بل إنه مزرٍ..ودنيء..وهو لا يغيّر في الوضع شيئًا..هذا إذا لم يزدد الأمر سوءًا..

لست ممن يطالب بالصمت..والتقوقع..ولكن..هذا السلوك قد تكون نتيجته الاكتئاب..استهلاك كمية كبيرة من الجهد الذي يمكن أن يصنع شيئًا مفيدًا..وضياع الحسنات ..

السيدة (هي) ..امرأة اضطرها توتر العلاقة بينها وبين جارتها الكبيرة في السن إلى أن تمارس التنفيس في الخفاء..ففي اجتماعها مع أسرتها..تشتمها..وتمسح بخيالها أرضية المجلس..وتحاول الحطّ من قدرها أمام الآخرين..

لم تكن لتستطيع مواجهتها وتوجيه الصفعات إليها؛ لأنها لا تريد أن تكون تلك المرأة الوقحة التي تتعدى على امرأة كبيرة في السن..

ولم تكن أيضًا قادرة على الصمت..فهي لا تزال تجرحها..وتبحث عما يغيظها في كل مرة تتقابلان فيها..

إلا أن هذا كله كان يهدر في صدرها حتى شعرت بأنها يجب أن تتكلم..وعندما بدأت بممارسة الحديث في الظلام..وبشكل أقرب إلى الإدمان..أُصيبت بالاكتئاب..

(لا يمكنني احتمال هذا كله..لست جرذًا..يجب أن تنتهي مأساتي..ولا بد أن هناك طريقة ما لإنهائها..نهاية جيدة) ..

كان أول شيء اقترحته عليها عندما عزمت على حل المشكلة..هو مواجهتها أو الانقطاع عن الغيبة والطعن في ظهرها..حتى تجد حلًا لإصلاح علاقتها معها..

أما الخيار الأول فكان مرفوضًا من جانبها..واعتبرت الخيار الثاني واجبًا دينيًا يحافظ على حسناتها المتطايرة..قبل أن تعتبره حلًا مبدئيًا للمشكلة..

بداية الصمت..البحث عن موضوع آخر للانهماك فيه..كان ذلك صعبًا..ولكن كانت النهاية رائعة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت