فهرس الكتاب

الصفحة 16441 من 27345

بسم الله الرحمن الرحيم ، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا أما بعد أيها الأحبة في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذه ليلة الثلاثاء الموافق السادس عشر من شهر شوال للعام السادس عشر بعد الأربعمائة والألف وفي هذا الجامع المبارك في مدينة >الرس< ومع هذا الموضوع والذي هو بعنوان رمضان والرحيل المر وها هو نصف شهر أيها الأحبة يمضي بعد رحيل رمضان بعد رحيلك أيها الحبيب رمضان ويا لها من أيام مرة المذاق ليسأل كل إنسان منا نفسه كيف حالك أيتها النفس بعد رمضان أيها الإخوة والأخوات لقد تعمدت تأخير هذا الموضوع إلى هذه الأيام لنقارن بين حالنا في رمضان وحالنا بعد رمضان رغم أنه لم يمض عليه سوي أيام إيه أيتها النفس كنت قبل أيام في صلاة وقيام وتلاوة وصيام وذكر ودعاء وصدقة وإحسان وصلة للأرحام قبل أيام كنا نشعر برقة القلوب واتصالها بعلام الغيوب كانت تتلي علينا آيات القرآن فتخشع القلوب وتدمع العيون فنزداد إيمانا وخشوعا وإخباتا لله سبحانه وتعالى ، ذقنا حلاوة الإيمان وعرفنا حقيقة الصيام ذقنا لذة الدمعة ذقنا لذة الدمعة وحلاوة المناجاة في السحر كنا نصلي صلاة من جعلت قرة عينه في الصلاة وكنا نصوم صيام من ذاق حلاوته وعرف طعمه وكنا ننفق نفقة من لا يخشى الفقر كنا وكنا مما كنا نفعله في هذا الشهر المبارك العظيم الذي رحل عنا كنا ننفق نفقة من لا يخشى الفقر وهكذا نتقلب في أعمال الخير وأبوابه حتى قال قائلنا يا ليتني مُتُّ على هذه الحال لما يشعر به من حلاوة الإيمان ولذة الطاعة فتذكرت حينها [ابن مسعود] ـ رضي الله تعالى عنه ـ لما بكي في مرض موته فسئل ما الذي يبكيك فقال رضي الله عنه إنما أبكي لأنه أصابني في حال فترة أي الموت أصابني في حال فترة ولم يصبني في حال اجتهاد كما في مجمع الزوائد للهيثمي وهكذا مضت الأيام ورحل رمضان ثم ماذا ؟

رحلت يا رمضان

ولم يمض على رحيلك سوى ليالٍ وأيام ، ولربما رجع تارك الصلاة لتركه ، وآكل الربا لأكله ، وسامع الغناء لسماعه، ومشاهد الفحش لفحشه ، وشارب الدخان لشربه

رحلت يا رمضان ، ولم يمض على رحيلك سوي ليالٍ و أيام ، وأيام ولربما نسينا لذة الصيام ، فلا الست من شوال ولا الخميس و الاثنين ولا الثلاثة الأيام ، رحلت يا رمضان ولم يمض على رحيلك سوي ليال وأيام ، ولربما لم نذق فيها طعم القيام .

سبحان الله أين ذلك الخشوع وتلك الدموع في السجود والركوع أين ذلك التسبيح والاستغفار وأين تلك المناجاة لله الواحد القهار رحلت يا رمضان ولم يمض على رحيلك سوي ليالٍ وأيام ولربما هجرنا القرآن وقد كنا نقرأ بعد الفجر وبعد الظهر وبعد العصر وفي الليل والنهار وها هو نصف شهر مضى فكم قرأنا فيه من القرآن

خَلِيلَيَّ شهر الصوم ذُمَّت مطاياه

... وسارت وفود العاشقين بمسراه

فيا شهر لا تبعد لك الخير كله

... وأنت ربيع الوصن يا طيب مرعاه

نشرق بدموع الفراق أيها الأحبة فلا نستطيع أن نبث المشاعر والآلام والأحزان لما نجده من فقد لذة الطاعة وحلاوة الإيمان هكذا حال الدنيا اجتماع وافتراق ومن منا لا تؤلمه لحظات الفراق ودموع العناق ، رمضان أيها الصديق أيها الجليس الصالح وأيها الحبيب

أُحِسُّ بجرحي يا صديقي كأنه

يدب إلى أعماق قلبي ويوغل

ونفسي أمام المغريات قوية

ولكنها عند الأحبة تسهل

كأن فؤادي لو تأملت ما به

بما فيه من شَتَّى المشاعر معمل

رمضان كيف ترحل عنا وقد كنت خير جليس لنا بفضل ربنا كنت عونا لنا ونحن بين قارئ وصائم ومنفق وقائم ونحن بين بَكَّاء ودامع وداع وخاشع رمضان فيك المساجد تعمر والآيات تذكر والقلوب تجبر والذنوب تغفر كنت للمتقين روضة وأنسًا وللغافلين قيدا وحبسا كيف ترحل عنا وقد ألفناك وعشقناك وأحببناك رمضان ألا تسمع لأنين العاشقين وأهات المحبين

اسمع أنين العاشقين

إن استطعت له سماعا

راح الحبيب فشيعته

مدامع انذرفت سراعا

لو كل كالجبل الأصم

فرط إلث ما استطاعا

قال [ابن رجب] في وداع رمضان واسمعوا واسمعوا لقلوب السلف رضوان الله عليهم كيف كانت تخرق لفراق هذا لشهر قال ابن رجب رحمه الله

يا شهر رمضان ترفق

دموع المحبين تدفق

قلوبهم من ألم الفراق تشقق

عسى وقفة الوداع تطفئ

من نار الشوك ما أحرق

عسى ساعة توبة وإقلاع

ترقع من الصيام ما تخرق

عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق

عسى أسير الأوزار يطلق

عسى من استوجب النار يعتق

عسى وعسى من قبل يوم التفرق

إلى كل ما نرجو من الخير نرتقي

فيجبر مكسور ويقبل تائب

ويعتق خطاء ويسعد من شقي

انتهي كلامه رحمه الله رحلت يا رمضان والرحيل مر على الصالحين فابكوا عليه بالأحزان وودعوه وأجروا لأجر فراقه الدموع وشيعوه

دع البكاء على الأطلال والدار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت