القومية مصدر صناعي ، مقيس على ما تواضع العرب المعاصرون على اشتقاقه بإضافة ياء النسب ، وتاء التأنيث ، لمواجهة الكثرة الغامرة المتدفقة من المصطلحات الحديثة في مختلف العلوم والمعارف الإنسانية المستحدثة. وهي ترجمة للاصطلاح الغربي Nationalism ، الذي يعبر عن ظاهرة برزت في المجتمعات الغربية في القرن التاسع عشر ، تصور وعيًا جديدًا يمجد جماعة محدودة من الناس ، يضمها إطار جغرافي ثابت ، ويجمعها تراث مشترك ، وتنتمي إلى أصول عرقية واحدة ، حسب ما اصطلح عليه علماء الأجناس المحدثون. والقومية بهذا المعنى تدعو أصحابها إلى العمل على تعزيز ثقافتهم الموحدة ، وتدعيم ترائهم المشترك ، وتنمية مصالحهم الخاصة ، مع حصر جهودهم في هذا النطاق وحده ، دون نظر إلى الاعتبارات التي كانت تجمعهم قبل ذلك مع غيرهم في رباط مشترك.
وقد نتجت عن الحركات القومية في أوروبا في القرن التاسع عشر ظاهرتان متناقضتان ، إحداهما: تدعو إلى الانسلاخ من الإمبراطوريات الكبرى ، كالذي حدث في حركات دول البلقان والبلاد العربية حين تداعت إلى الانسلاخ من الدولة العثمانية ، الأخرى تدعو إلى ضم شتات الإمارات الصغيرة التي يعتقد - بناء على علم الأجناس البشرية الحديث - أنها تنتمي إلى أصول عرقية مشتركة ، كالذي حدث في نشوء الدولتين الألمانية والإيطالية ، واجتماع كل منهما في دولة كبرى بعد أن كانت مجموعة من الإمارات الصغيرة المتنافسة.
وقد انتقلت عدوى هذه النزعة القومية إلى العرب ، وإلى المسلمين على وجه العموم ، فيما انتقل إليهم من آثار الفكر الغربي ، والفلسفات السياسية والاجتماعية الحديثة ، وأصبحت ظاهرة بارزة في هذه البلاد العربية والإسلامية مع مطلع القرن العشرين الميلادي ، ودخلت هذه المجتمعات في صراع بين هذه المفاهيم القومية المستحدثة، وبين المفاهيم الإسلامية التي لا يقوم فيها اعتبار للأنساب والأجناس ، والتي تعتبر المسلمين حيثما كانوا أمة واحدة يقوم الدين فيها مقام النسب ، بل يتقدم عليه ، فالمسلم أخ للمسلم من دون أبناء عمومته إن كانوا غير مسلمين.
انتشرت هذه الدعوات القومية بين المسلمين في البلاد العربية ، وفي أندونيسيا ، وفي إيران ، وفي الهند ، وكانت الدعوة إلى إنشاء دولة باكستان رد فعل للحركة القومية في الهند ، لأن هذه الحركة - ككل الحركات القومية - كانت تربط بين قديم الهند الوثني وبين حاضرها الراهن ، وتعتبر العرب غزاة غرباء ، بينما هم في اعتبار المسلمين أجدادهم الأقربون ، ومعلموهم الأولون الذين تتقدم رابطتهم على رابطة النسب والدم.
وأخذت القومية العربية التي بدأت بالدعوة إلى جمع شمل العرب في دولة واحدة تتفكك وتنحل بعد الحرب العالمية الأولى إلى قوميات مختلفة تحت ضغط الظروف ، والواقع السياسي الذي قسم بلادهم بين إنجلترا وفرنسا ، وراحت كل قومية من هذه القوميات الناشئة تدعم وجودها ، وتعمق جذورها ، وتؤصل كيانها بإحياء تاريخها السابق على الإسلام والتغني بأمجاد تلك الأيام الغابرة ، وتوجيه التاريخ والأدب الفنون المختلفة من موسيقى وتصوير ونحت لخدمة هذا الهدف الذي يربط الأجيال الناشئة بالوطن في حدوده الأرضية ، دون غيره من الأوطان ، ولم يعد للبلاد الإسلامية في نظر الأجيال الناشئة في ظل هذه المفاهيم الجديدة فضل على البلاد غير الإسلامية ، بل ربما تقدمت بلاد غير إسلامية على بلاد أخرى إسلامية لاعتبارات تدعو إليها مصلحة اقتصادية أو ظروف سياسية نشأت تحت ضغوط أجنبية.
وبين هذه القوميات التي نشأت في بلاد المسلمين كانت القومية العربية أبرزها وأحوجها للدراسة ، فقد كانت منذ نشأتها ، لا تزال ، موضع جدل كثير ، نتج عما أحاطها في أذهان العرب والمسلمين من لبس يرجع إلى أن العرب هم جرثومة الإسلام وأصله الأول ، وإلى أن لغتهم هي لغة الإسلام التي نزل بها كتابه ، والتي تؤدي بها كل شعائره. وبرزت في معجم الأدب والفكر السياسي كلمات ( العروبة) و (الجامعة العربية) و (القومية العربية) على التعاقب. ثم اختلطت مفاهيمها ، وتميعت مدلولاتها في بعض الأحيان ، وغلب على العامة استعمالها في معنى واحد ، مع تفضيل استعمال بعضها على بعض. وكان المقصود بها في كل الأحوال هو الصفات الجامعة لذلك الجنس من الناس المسمى عند المعاصرين بـ (العرب) ، على خلاف ما بين الناس في تصور مدلول هذه الكلمة ، وفي مقومات ذلك الجنس. فالمحافظون من دعاة القومية العربية يرون أنها فرع من التصور الإسلامي ، وكل ما في الأمر أنه خاص بالذين يتكلمون العربية من المسلمين ، الذين تتجاور مساكنهم ، والذين تكونت منهم الدولة الإسلامية. أما المتفرنجون من دعاة القومية العربية ، فهم يستمدون تصورهم من غلاة القوميين عند مفكري الغرب ، ولا يقيمون وزنًا لقديم العرب الإسلامي الذي حدد شخصيتهم ، ولا يرتبطون بالسمات التاريخية لهذه الشخصية.