فهرس الكتاب

الصفحة 12435 من 27345

والمتتبع لمدلول كلمة (العرب) لا يجده واحدًا على امتداد التاريخ. كانت كلمة (العرب) تطلق قبل الإسلام على سكان جزيرة العرب ، التي يحدها الهلال الخصيب من جهة الشمال (العراق والشام) ، والتي تحيط بها خليج العرب (الذين كان يسمى في ذلك الوقت بالخليج الفارسي) والبحر المحيط والبحر الأحمر من الشرق والجنوب والغرب. كان هذا الجنس الذي يسكن تلك الأرض هو وحده المقصود باسم (العرب) . منه ورثنا التراث الشعري الضخم الذي اشتدت عناية الدارسين به للاستعانة به في ضبط اللغة العربية وعلومها ، وفي تفسير القرآن الكريم ، والحديث الشريف. فلما ظهر الإسلام وعم الجزيرة العربية على اختلاف قبائلها بدأت الفتوح على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بمحاربة الروم في غزوة مؤتة سنة 8 هـ ، ثم غزوة تبوك سنة 9 هـ ، التي انتهت بمصالحة صاحب أيلة (العقبة اليوم) على الجزية. ثم كانت واقعة اليرموك سنة 13هـ في خلافة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وقد توفي في أثنائها قبل أن يتحقق النصر للمسلمين. وتوالت الفتوح من بعد في خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه في العراق ومصر وما وراءهما ، ثم في خلافة سيدنا عثمان ومن بعده.

وتتابعت هجرة القبائل العربية إلى الأمصار المفتوحة على اختلاف أسبابها ، منهم من هاجر طلبًا للنجعة في سنوات القحط ، وفي أوقات الجفاف على عادتهم في الجاهلية ، ثم طابت له الحياة ، فاستقر في موطنه الجديد. ومنهم من ذهب مع الجيوش الفاتحة ، ثم لم يعد. ومنهم من هاجر استجابة لدعوة أمراء العرب في هذه الأمصار الذين رأى بعضهم أن يستقدم بطونًا من عشيرته يتقوى بهم ، ويدعم عصبيته ، كما حدث في ولاية الوليد بن رفاعة على مصر في خلافة هشام بن عبدالملك الأموي حين استقدم القيسية. ومنهم من هاجر التماسًا لسعة العيش في هذه البلاد.

وكان العرب في أول الأمر ، وعلى امتداد الدولة الأموية يترفعون عن الاختلاط بأبناء البلاد المفتوحة ، وكانوا يعتزون بأنسابهم في قبائلهم. ولذلك حرصوا على حفظها من الاختلاط بغيرهم ، وعاشوا حياة أقرب إلى البداوة في منازل أشبه بثكنات الجيوش في خطط منعزلة ، كالكوفة والبصرة في العراق ، والفسطاط في مصر ، والقيروان في المغرب. لذلك ظل اسم (العرب) طوال الدولة الأموية يطلق على المنتسبين إلى هذا الجنس ممن قدموا على الأمصار المفتوحة ، وذلك في مقابل اسم (الموالي) الذي كان يطلقه العرب على من عداهم من الأجناس في هذه البلاد ترفعًا واستعلاء ، وذلك باستثناء بلاد الشام والعراق التي بدأ اختلاط العرب فيها بأهل البلاد منذ الفتح ، لانتشار العنصر العربي فيها من عهد بعيد قبل الإسلام ، ثم ساعد انتقال العاصمة إليهما في عهد الأمويين ثم العباسيين على زيادة هذا الاختلاط.

وكانت البلاد المفتوحة في أول عهدها بالفتح تطلق على الغزاة الفاتحين اسم (العرب) ، تمييزًا لهم من سكان البلاد الأصليين ، الذين كان بعضهم لا يزال على دينه ، وبذلك كان اسم (العرب) مرادفًا لمعنى (المسلمين) .

وانتشر الإسلام شيئًا فشيئًا في هذه البلاد المفتوحة ، وانتشرت معه اللغة العربية التي لا غنى للمسلم عنها في معرفة دينه ، وإقامة شعائره ، وحفظ كتابه. ثم جاء تعريب الدواوين في أيام عبد الملك بن مروان (65 - 86هـ) ونقلها إلى أيدي المسلمين بعد أن كان يتولاها أهل البلاد من غير المسلمين ، ويدونونها باللغة الفهلوية (الفارسية القديمة) في العراق ، وبالرومية في الشام ، وبالقبطية (المصرية القديمة في العصر المسيحي) في مصر. فزاد انتشار اللغة العربية ، ولم ينته القرن الأول الهجري حتى كانت اللغة العربية لغة للتخاطب والتعامل والتدوين في هذه البلاد جميعًا ، وأصبح الإسلام دين السواد الأعظم من سكانها ، وكادت لغات البلاد القديمة تنسى بعد أن أقبل الناس على العربية ، قرآنًا وحديثًا وشعرًا ولغةً ، ويحاولون إتقانها ومنافسة العرب أنفسهم فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت