عبد الله الصبيح 3/5/1426
كثير من مثقفينا سواء كانوا إسلاميين أو ليبراليين أو أيًا ما كانوا ينطلقون في رؤاهم وتحليلاتهم السياسية من نظرية المؤامرة؛ إذ يرون أن كل مافي الوجود من أحداث إنما هي عن تخطيط مقصود من طرف فاعل، وهو موجه ضدنا معشر العرب أو المسلمين.
ونظرية المؤامرة ليست خاطئة تمامًا، ولكنها ليست صوابًا تمامًا. وهي في كل الأحوال لاتستطيع أن تفسر ما يقع من حوادث، وينشأ من ظواهر في المحيط السياسي.
ومن ركن إليها أفضت به إلى عمى في البصيرة عن قواه الذاتية الكامنة، وضخمت عنده قدرات خصمه فأورثته عجزًا ويأسًا. والعاجز اليائس إما أن يستسلم لإرادة خصمه أو ينزوي عن مسرح الأحداث.
وفي كلتا الحالتين هو الجاني على نفسه.
إن الوعي السياسي يُراد به ليس فقط معرفة أهداف الخصم، وإنما تحديد الخيارات المتاحة للريادة في تكوين الحدث أو رد الفعل تجاه الحدث. ونظرية المؤامرة تحدثك عن أهداف الخصم وتضخمها أمامك، وتغلق عليك منافذ الخيارات التي ينبغي لك أن تسلكها في التأثير في المسرح السياسي.
تصورْ ذلك الذي يحدثك عن الصهيونية العالمية ومؤامراتها الضخمة في البر والبحر والحرب والسلم، وسيطرتها على السياسة والفن والإعلام وسوق المال والمجال الأكاديمي، وغير ذلك مما تعلمه وما لاتعلمه، تصوّرْ أن ذهنك أصبح مشبعًا بما حدثك به، ثم أضفت إليه دراسة ما يُسمّى ببروتوكولات حكماء صهيون، فأضفت ضِغثًا على إبّالة!!
ترى هل ترك لك ذلك التثقيف فسحة للتصرف السليم، أم أنه حدد طريقًا واحدًا وهو العجز واليأس وليس ثمة طريق آخر سواه؟
وهل أتاح لك بذلك فرصة لتفحص ذاتك وتعرّف مواطن القوة والضعف عندك، أم أنك استغرقت في تهويمات عن أهداف خصمك، وما يريده فقط، وغفلت عن دراسة مواطن القوة والضعف الفعلية عنده؟
وإن مما يزيد من بلائنا مع هذا النوع من التحليل أن البعض يسميه وعيًا سياسيًا أو وعيًا للواقع، بينما هو لا يعدو عن أن يكون اعتقالًا للذات في مشروعات العدو وارتهانًا لطاقات العقل المبدعة ضمن إستراتيجية الخصم.
إن التحليل السليم لاينفصل عن الواقع إطلاقًا ولا يعيش في الخيال، ومن الارتباط بالواقع أن يتلمّس الباحث العوامل الواقعية المؤثرة في الحدث، ويحولها إلى أرقام إحصائية، ويتتبّع مساراتها وتغيّراتها.
وكل عامل واقعي لايكاد يكون حكرًا على طرف في المسرح السياسي دون طرف آخر، بل كل فريق يستطيع أن يستفيد منه بمقدار ما عنده من تخطيط سليم ودراسة واقعية.
والتخطيط السليم لا يكون عن طريق ما يُسمّى بالوعي السياسي الناتج من جمع قصاصات من الصحف هنا وهناك، وإنما يكون عن طريق الدراسة المتأنية المتخصصة طويلة المدى.
إن المطالعة الصحفية قد تنتج لنا مثقفًا سياسيًا، ولكنها لن تنتج فقيهًا بالواقع، عالمًا بالسياسة، يستطيع رسم الإستراتيجيات السياسية إلا إذا كانت مطالعة بعض النشرات الطبية كافية لإخراج طبيب عالم يستطيع التشخيص والعلاج وإجراء العمليات الجراحية