فهرس الكتاب

الصفحة 4017 من 27345

الإسراء والمعراج الواقعة والآفاق

د. غازي التوبة 4/8/1427

جاءت واقعة الإسراء والمعراج في سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- تتويجًا لمرحلة سابقة هي المرحلة المكية، وترسيخًا لبعض القيم والمبادئ المهمة في حياة الأمة ومستقبلها، وقد تحدّث القرآن عن تلك الواقعة فقال صلى الله عليه وسلم: (سُبْحانَ الذي أسرى بعَبْدِهِ ليلًا مِنَ المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأَقْصَى الذي بارَكْنا حولَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إنه هو السميعُ البصيرُ) [الإسراء:1] ، فما معالم واقعة الإسراء والمعراج؟ ولم كانت تتويجًا للمرحلة المكية؟ وكيف كانت ترسيخًا لبعض القيم والمبادئ وتنبيهًا على الأمور المستقبلية؟

ذكرت كتب الحديث والسيرة أن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة، وأنه كان في نهاية شهر رجب الفرد، وأنه كان يقظة لا منامًا، من مكة إلى بيت المقدس بواسطة البراق، فلما انتهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى باب المسجد ( المسجد الأقصى) ربط الدابة عند الباب ودخله، فصلّى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم عرج إلى السماء، فصعد إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه في كل سماء مقربوها، وسلّم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مرّ بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما حتى انتهى إلى سدرة المنتهى حيث رأى جبريل على صورته الملائكية، كما رأى البيت المعمور، ورأى في رحلته هذه الجنة والنار، ثم كلّم الله عز وجل، وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفًا بعباده. وقد تحدّث القرآن عن رحلة المعراج وعن وصوله إلى سدرة المنتهى ورؤيته لجبريل عليه السلام فقال عز وجل: (والنجمِ إذا هَوَى. ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوَى وما ينطقُ عن الهَوَى إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى. علَّمَه شديدُ القُوَى. ذو مِرَّةٍ فاسْتَوَى وهو بالأُفُقِ الأعلى ثم دَنَى فتَدَلَّى فكان قابَ قَوْسَيْنِ أو أَدْنَى فأوْحَى إلى عبدِهِ ما أَوْحَى ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأَى أَفَتُمارونَهُ على ما يَرَى ولقد رآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عند سِدْرَةِ المُنْتَهَى عندها جنَّةُ المَأْوَى إذ يغْشَى السِّدْرَةَ ما يغْشَى ما زاغَ البصرُ وما طَغَى لقد رآى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الكُبْرَى) . [النجم:1-18] . وصلّى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المسجد الأقصى إمامًا بالأنبياء وذلك بإشارة من جبريل عليه السلام، وفي ذلك إظهار لشرفه وفضله عليهم جميعًا، وقد قُدِّم إليه صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة إناءان فيهما: الخمر واللبن، فاختار اللبن، فقيل له: هُديت إلى الفطرة. والآن لم كانت رحلة الإسراء والمعراج تتويجًا للمرحلة المكية؟

بدأت المرحلة المكية من غار حراء حيث تنزل الوحي على الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأمره الله أن يدعو إلى وحدانيته عز ةجل، وأمره أن ينذر قومه بأنّ هناك بعثة وحسابًا، وجنة ونارًا، وأمره أن يدعو إلى قيم جديدة تقوم على أخوة الإيمان، وليس على أخوة القبلية، وأنّ المال لله، وأنّ البشر مستخلفون فيه، وأنّ فيه حقًا للسائل والمحروم، دعاهم إلى كل هذا وإلى غيره من القيم والحقائق الجديدة التي جاء بها الإسلام، لكن المجتمع المكي لم يتقبل دعوة الرسول الكريم، بل بدأ ينافح عن قيمه وأفكاره في وجه القيم الجديدة، وشرع في اتهام الرسول مرة بأنه ساحر ومرة بأنه كاهن ومرة بأنه يتلقى أقواله من الأعاجم . . . ثم انتقل إلى إيذاء الضعفاء من أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- مما حدا به صلى الله عليه وسلم إلى أمرهم بالهجرة إلى الحبشة مرتين، ثم جاءت وفاة أبي طالب عمّ الرسول وخديجة زوجه مما أفقده سندين في عام واحد، الأول: كان يدفع عنه إيذاء قريش خارج بيته، والثاني: كان يخفف عنه آلام المواجهة مع قريش داخل بيته، ولذلك سمي هذا العام عام الحزن. وفي هذه اللحظة الحاسمة التي اشتد فيها الإيذاء على الرسول صلى الله عليه وسلم، وزادت الأحزان عليه، جاءت رحلة الإسراء والمعراج لتكون تكريمًا له على صدقه في الدعوة، وتقديرًا له على صبره في تحمل الأمانة، وتثبيتًا له على إحسانه في تمثل حقائق الإسلام، وتثمينًا لحسن أخلاقه وشمائله، وجاءت رحلة الإسراء والمعراج أيضًا لتكون له زادًا في المرحلة القادمة من خلال إراءته رؤى جديدة في عالم السماء: رؤية الجنة والنار، ورؤية جبريل عليه السلام، وتكليمه لله عز وجل الخ . . . لقد أشرنا في بداية المقال إلى أنّ رحلة الإسراء والمعراج كانت ترسيخًا لبعض القيم والمبادئ وتنبيهًا إلى أمور مستقبلية، فما القيم والمبادئ التي رسختها؟ وما الأمور المستقبلية التي نبهت عليها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت