إبراهيم غرايبة 1/3/1425
الكلمة قوة عظمى تبعث طاقة بلا حدود ولا انقطاع، وهي في الأصل قوة مادية، فهي من الهواء، مادة الحياة ومصدر الطاقة ووعاء العلم والحكمة والتجارب.
وقد أنزل الله الحديد لتسخير الأرض والجبال، وجعل النار لصهر الحديد وتشكيله، وجعل الماء لقهر النار وتوليد الطاقة، والهواء ينتج الماء (تفاعل الهيدروجين والأوكسجين) ويسوقه ويسخره، ويشكل الفضاء ويحمي الأرض والإنسان، وتستمر الحياة بالنفس (الهواء) ، والشجرة أساس استمرار الحياة، تعتمد على الهواء في صنع الغذاء الأساسي للكائنات جميعًا.
القول والاستماع هو الذي ينشئ التقدم والنجاح وتطوير الأفكار، فلا يمكن إدراك الحكمة والعلم إلا إذا حلت في اللغة والصوت.
والحياة كما الكلمة والشجرة، تقوم على الهواء الذي ينتج الماء أساس الحياة، وتتنفسه الكائنات لتستمر الحياة، وتعتمد عليه الشجرة أساس استمرار الحياة.
واللغة والصوت هواء، واللغة وعاء العلم والحكمة والتجربة.
لا يعلم الإنسان ما لديه وما اكتسب في روحه وعقله من حكمة وأسرار، ولذلك فإنه ربما مبلغ أوعى من سامع.
فما يكتبه الإنسان أو يسجله أو يقوله ربما استودع لديه أو استقبله على نحو ما من الحكمة والأقوال والتجارب والعلوم المبثوثة في الفضاء منذ الأزل، فهي لا تفنى، ولا يدري أحد ما نصيبه منه، وقد يعيد بثه مرة أخرى للناس وهو لا يعلم.
(بصرت بما لم يبصروا فقبضت قبضة من أثر الرسول)
لم يكن الدعاة والشعراء والكتاب والأدباء والفلاسفة يعلمون إلى أين ستمضى أفكارهم ولا ما ستؤثر وتلاقي من استجابة، ونحن نقول دائما ولدينا الكلمة الطيبة وهي مثل بذرة ضئيلة تنمو وتصبح شجرة راسخة لا تموت أبدًا وتعطي الثمر في كل حين بلا انقطاع.
فالشجرة ليست في عطائها ما تعطيه من ثمرة يأكلها الإنسان والطير والحيوان، ولكنها تأخذ بلا توقف من الفضاء ثاني أكسيد الكربون، وتمنح الأكسيجين بلا توقف ولا انقطاع، وتمنح الماء إلى الفضاء، والظلال، وتغني التربة، وتجتذب المطر، وتغير في تيارات الهواء، وتمنح الخشب والدواء، وتغير في طبيعة الأرض فتحميها من التصحر، وتحافظ على التربة من الانجراف، ولا يمكن أبدًا إحصاء عطاء الشجرة.
والماء قصة بالغة القدم (وكان عرشه على الماء) وليس لها نهاية
لا أحد يحيط بقطرة الماء التي يشربها، جاءت إليه من السماء، وكانت في نهر، ودخلت في شجرة أو جوف طائر، ولكل إنسان نصيبه مما تلقت هذه القطرة من رحلتها؛ فليست كل قطرة مثل أختها، ولكنها تمتلك تجربة وتكوينًا خاصا بها، فليست قطرة خرجت من جوف طائر إلى السماء في غيمة، ثم سقطت في جوف نحلة وصارت عسلا، وربما كانت قد شربها نبي أو شهيد أو قديس مثل قطرة أخرى كان لها مسار وقصة أخرى مختلفة.
نحن نمنح الماء الذي نشربه شيئًا منا ويعطينا منه أشياء كثيرة.
فالفكرة ليست واحدة، حتى العبارة الواحدة التي يقولها أشخاص مختلفون لا تكون واحدة؛ إنها تخرج في موجات مختلفة ومن مصادر مختلفة.
وهذه الفروق التي تبدو ضئيلة هي التي تحدد النتائج والحالات المختلفة.
ألا يتشابه البروتين والسموم بنسبة تقل قليلًا عن المئة بالمئة؟
والإنسان والحيوان يتشابهان في تكوينهما الفسيولوجي والعضوي والجيني بنسبة 98 بالمئة.
فلكل كتاب أو مقال أو خاطرة أو عبارة شخصية وحكمة وفائدة خاصة مميزة.
ولا أعني أن كل ما يقوله أو يكتبه كل واحد منا سيكون عظيمًا وحكيمًا ومفيدًا.
ولكن
يجب أن نقول لنسمع أنفسنا أولًا.
ولعلنا نلامس في الكتابة والقول طاقة عظيمة لا ندرك حدودها ولا آفاقها.
شاهدت فيلمًا، عن طفل هندي أحمر يعيش مع جديه في غابة نائية، وتأخذه الحكومة بالقوة من جديه وتضعه في مدرسة داخلية.
وتجتاح الطفل وحشة عميقة قاسية، وفي ليلة تضربه المعلمة ويحبس في غرفة بسبب صراحته وصدقه، وهو لا يفهم لماذا ضرب وحبس.
وفي الليل يطل من نافذة الغرفة، ويتحدث في الفضاء، ويحاول أن يستمع إلى الكون..
وبعد لحظات يأتي جده إلى المدرسة.
جاء من كوخه البعيد جدًّا.
وقال لحفيده لقد سمعتك، ألم أخبرك كلما احتجت لي تحدث وأنا أسمعك.
وخرجا معًا من المدرسة وعادا إلى الغابة.
هل هو أمر غريب أم معقول؟
ماذا عن النقد الأدبي وتحليل النصوص؟
ألا يستبطن ويستخرج الكثير مما لا يرى في النص؟
وماذا عن فهم القرآن وتأويله وتفسيره؟
ألا يبدو مليئًا بالأسرار بلا توقف ولا حدود؟
ويجب أن نقول إنها فكرة مخيفة أيضًا، أو لها رهبة ما!
عندما سافرت للدراسة، وكنت شابًّا صغيرًا في الثامنة عشرة ومتعودًا على حياة ريفية ساكنة، كانت تداهمني نوبات من الحزن والصمت، فنصحني صديق كبير كان يزورنا، قال اكتب رسالة لصديق ولا ترسلها.
اكتب فقط، ففي الكتابة شفاء.
نحن نكتب لأجل أنفسنا.