ولكن عندما تتشكل الكلمة لا تعود ملكنا، ولا ندري إلى أين تمضي، إنها محملة بالماء والهواء الذي يتحرك منذ الأزل وتحل فيها حكم وتجارب وأفكار ومعاناة وأقوال لا نعلمها، ولا ندري أثرها.
والإنسان أخطر وأعقد بكثير مما يعرف عن نفسه، فنحن من آدم عليه السلام، وهو كلمة الله وروحه، والحضارة الإنسانية قائمة على إدراك الإنسان لنفسه، وسعيه لأن يجعل من نفسه ما يريد أن يكون، ورؤيته لموارده في نفسه أولًا، وليس فيما تهبه الطبيعة من موارد، من هنا نشأ العلم والإبداع والفلسفة والشعر والرواية والتجارة والمقايضة والكتابة والمهارات الفنية واليدوية والمهن والسفر والإقامة والعمارة...
وكأن الإنسان عندما هبط من الجنة إلى الأرض ومعه السر العظيم الذي أودعه الله فيه"كلمة الله وروحه" (وعلم آدم الأسماء كلها) ليعود بها إلى الجنة مرة أخرى، جعله البحث والكد ليستعيد بنفسه حالة كان لا يرى بها ذلك السر عندما كان لا يجوع ولا يعرى ولا يظمأ ولا يضحى، مثل تفكيك الأحجية وتحليل الظاهرة وإعادة تركيبها، لم تقنعه النهاية التي بدأ بها، فأراد أن يبدأ بالبداية ليصل إلى النهاية التي بدأ بها، وشأن الإنسان دائمًا مثل الطفل الذي يبحث ويفكر ويحلل ويفكك بلهفة وجرأة ومغامرة، إن الطفل أصدق صور الإنسان وأقربها إلى الفهم والصواب.
ولعله في ذلك مثل الناي، ولعل الناي مستودع سره وأسئلته، فكلاهما الإنسان والناي نزعا من موطنهما، هذا من جنته وذاك من أمه الشجرة التي كان عليها، وعندما ينظف الناي من الداخل، ويحرق في بعض مفاصله وأجزائه فإنه يخرج ذلك الصوت العجيب الخارق، هذه النار التي حلت فيه، وهذا النقاء الذي حصل له، وتلك الآلام التي جاءت بسب الحرق والهجر والانتزاع من أرضه وأمه، وتلك التجربة التي يملكها هي الصوت الذي يعزفه، ولكن الصوت لم يكن بفعله وحده، فبدون النفخ فيه (الهواء) ، وبدون هذا الاتصال بينه وبين الإنسان لا يكون ذلك الصوت، الكلمة، الهواء، النفس، أليس الانفجار والكلمة كلاهما هواء؟!!
الحكمة هي الكلمة التي نبحث عنها، وما نريده بالفعل ونسعى إليه.
إذًا فلنبحث عن الحكمة ونسعى لتحصيلها (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا) والناس تعمل وفق ما تهيأ له ( قل كل يعمل على شاكلته) (ولكل وجهة هو موليها) وفي الحديث الشريف:"كل ميسر لما خلق له".
ماذا أوتينا من الحكمة؟ هذا هو السؤال والجواب أيضًا.
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء {24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ {25} وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ {26} ) .