فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 27345

سلسلة على طريق الأصالة

أخطاء في كتابة التاريخ الحديث

تعرض التاريخ الحديث لموجات من التحليل والتفسير اختلفت باختلاف المدارس التاريخية الغربية التي حاولت أن تصدر أحكامًا من وجهة نظرها أولا كغرب، وخاصة فيما يتعلق بتاريخ الإسلام وعلاقات المسلمين بالغرب، صدرت هذه الأحكام تحت تأثير طابع الاستعلاء الغربي في النظر إلى الأشياء وتفسيرها، ومن حيث النظرة المستمدة من غرب حاكم مسيطر ومستعمر على عالم الإسلام الذي وقع تحت تأثير النفوذ الغربي منذ سقطت الدولة الإسلامية في الهند تحت النفوذ البريطاني وسقطت منطقة أرخبيل الملايو تحت النفوذ الهولندي، بل يرجع إلى أبعد من ذلك، عندما تدافعت قوات أسبانيا والبرتغال لضرب المغرب العربي والزحف على غرب إفريقيا في بدء مرحلة يمكن أن يطلق عليها جولة الاستعمار الغربي الحديث التي وصفها الغرب بأنها تتمة للحروب الصليبية التي سبقتها بأكثر من ثمانمائة عام، ولقد كان من شأن هذا الصراع بين عالم الغرب وعالم الإسلام أن شكل من خلال حركة الاستشراق مفهومًا خاطئًا وتفسيرات متعصبة لحركات الإسلام الحديث ومراحل تاريخه، فقد صدرت هذه المفاهيم وهذه التفسيرات من وجهة نظر الغرب القائمة على التعصب والخلاف والخصومة، فهي ليست خالصة لوجه الحق، وإنما يغلب عليها الهوى والحقد، هذا فضلا عن أن مقاييس التفسير التاريخي الغربي، هي مقاييس مستمدة من التاريخ الغربي نفسه، ولذلك فهي ليست صالحة لتفسير التاريخ الإسلامي الذي يستمد قوانين تفسيره من أصوله ومقوماته، ولا ريب أن هناك خلاف عميق بين أصول التاريخ الغربي ومقوماته التي تقررت عليها مقاييس تفسيره.

ترجع هذه الأصول إلى العقيدة والثقافة والتاريخ القديم، ولا ريب أن التاريخ الغربي يتصل اتصالا عميقًا بمفاهيم الوثنية اليونانية والعبودية الرومانية والتفسيرات المسيحية، وهذه كلها تشكل نظرة خاصة إلى الأوضاع والأحداث والمواقف، ومن هنا فهي تختلف اختلافًا عميقًا عن أصول التاريخ الإسلامي الذي يقوم على أساس عقيدة التوحيد والنبوة والبعث ومسئولية الإنسان والتزامه الأخلاقي ومفاهيم الإخاء الإنساني والعدل والرحمة وفي إطار المنهج الذي قدمه القرآن الكريم والذي يختلف بل ويتعارض مع تفسيرات العقيدة والقيم التي تقررت في الفكر البشري المختلط، وخاصة فيما يتعلق باضطراب مفاهيم العقائد اليهودية والمسيحية، وهي التي تشكل الأساس الأول للثقافة والفكر الغربي، ويتجلى هذا الخلاف في تفسير التاريخ الإسلامي حيث يقوم الاستشراق بتطبيق مقاييس غربية مختلفة كل الاختلاف عن مفاهيم وقيم الإسلام التي تتشكل من خلال مفهوم كل جامع بين الروح والمادة والقلب والعقل، والدنيا والآخرة، فبينما تقوم مفاهيم الغرب على التفسيرات المادية الخالصة، التي لا تستطيع أن تستوعب التوحيد والوحي والنبوة وآثار الجوانب الروحية والمعنوية في قيام الدول في آماد قصيرة وانتصار الجيوش بالعدد الأقل، وانتشار الإسلام ذاتيًا، كل هذا يستدعي من الباحثين إعادة النظر في هذه التغيرات.

(1) لتكون الحقيقة أكثر جلاء ووضوحًا يجب التفرقة بين حكم العثمانيين للعرب وبين حكم الاتحاديين والتفرقة بين حكم المماليك في مراحله الأولى وبينه في مراحله الأخيرة.

(2) القول بأن الأتراك سبب تأخر العرب قول مردود، لقد كان الحكم العثماني في البلاد العربية مختلفًا عن الحكم الاستعماري، وأن الترك وحكمهم ليس سبب تأخر العرب وعدم نهوضهم، ذلك لأن الترك أنفسهم كانوا متأخرين في العلوم والفنون.

(3) خطأ القول بأن الأتراك هم الذين سيطروا على البلاد العربية واحتلوها.

كان دخول العرب في الدولة العثمانية في النصف الأول من القرن السادس عشر التقاء الجزء بالكل والتئام الأجزاء الضعيفة مع الجزء الأقوى لصد خطر الإفناء الصليبي الذي صاحب مطالع عصر الاستعمار واكتشاف رأس الرجاء الصالح.

ولا ريب أن ارتباط العرب بالترك كان عاملا هامًا في تأخير سقوط البلاد العربية في قبضة الاستعمار الغربي أربعة قرون، وكان مصدر صمود الجبهة في مواجهات ضربات أوربا.

(4) فساد مفهوم الإصلاح المنقول من إصلاح المسيحية باعتبارها قامت على تفسيرات بشرية جعلتها غير قادرة على مواجهة تغييرات الأزمنة والبيئات.

أما الإسلام فإنه لا يقر الإصلاح بمفهوم تعديل مقررات الشريعة الإسلامية الثابتة، وكلمة التجديد أقرب إلى مفهوم الإصلاح (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) والتجديد هنا هو العودة إلى المنابع ومصطلحات الإصلاح والتطور والتجديد بمفهوم ممالأة الاستعمار الغربي في تغريب الإسلام أو تمسيحه هي مصطلحات باطلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت