فهرس الكتاب

الصفحة 14390 من 27345

حديث عام عن البلد ( أي القطر ) وأوضاعه

الجمعة 3 شوال 1397 / 16 أيلول 1977

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:

إن المعنى الذي أريد أن أشير إليه اليوم يندرج تحت إطار الكلام الذي قلته لكم قبل يومين في خطبة العيد من هذا المكان ، وأظن أنني قلت ما يكفي لإيقاظ النائم وتنبيه الغافل ورد الشارد إن كان الله تعالى يريد بالناس الخير ، ذكرت فيما مضى أن فرائض الإسلام أضيع بين المسلمين من الأيتام على مائدة اللئام ، وضيعتها ليست بتركها وإهمالها بل لعدم الإفادة منها والانتفاع بها ، ففرائض الإسلام وشرائع الدين والأسس العامة التي هي أركان هذا الدين معللة في كاتب الله وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، ومن عقل ووعى فإنه يدرك بأيسر النظر وأقل المجهود أن الله فرض ما فرض وشرع ما شرع لمصلحة الإنسان لكي يكمل الإنسان عنصر الإنسانية فيه ، ويجلي الصدأ عن هذا العنصر السليم ليشعر كل أحد أنه من كل أحد ولكل أحد ، أي أنه أخ لكل أخ .

والحياة الدنيا التي هي دار بلاء وتمحيص ، إذا خلت من هذه المشاعر النبيلة وإذا فقدت الجوهر الإنساني الشريف فهي مسبعة وغابة ولا مزيد ، وفي ظل هذه المفهومات ذكرت الكلام في خطبة العيد . وإذا كنتم تريدون الحقيقة فأقول لكم: كيف يصاب الإنسان فقد الشهية للطعام فالإنسان تمر عليه أويقات يشعر أنه ممعوج من الكلام ، يفقد شهوة الكلام بالمرة ، ولقد كنت أتحدث إليكم وأنا أعاني بشدة هذا الشعور ، ما الذي يسيطر علي ويملأ أقطار نفسي ؟ شعور بغيض وكريه ، لأنه أجدف ضد التيار وأنني أنثر الحَب في السباخ وفي أرض غير خصبة ، لأن كل ظواهر الناس التي يعيشون فيها ليس فيها ما يشجع على الرجاء الواسع والأمل العريض والثقة الطيبة ، كل شيء على الضد من ذلك . ولقد كنا لسنوات نوجه سهام النقد والتجريح ونصب جام الغضب والنقمة على الذين يتلاعبون بمصائر الشعوب ويسرقون إرادة الأمم على قطاع الطريق من الساسة الأبالسة والأفاكين .

وربما عبرت لذهننا لساعات أو لأيام تصورات توحي بأننا لو أننا حطمنا البناء الفوقي لحياة الناس الاجتماعية لكنا وصلنا إلى حالة هي أكثر أمنًا واطمئنانًا ، وأشهد إنها لغفلة عظيمة ، وما كان لمثلي أن يقع فريسة من هذا النوع ، وكيف وأنا أقرأ قول الله تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فما له من دونه من وال ) وكيف وأنا أقرأ من كلمات ربي تبارك وتعالى ( وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الخوف والجوع بما كانوا يصنعون ) .

كان ينبغي أن نكون أكثر حكمة ، وهذا لا يعني أننا نتنازل عن نقد وتجريح سفهاء الساسة وأبالسة الحكام وسرقة الشعوب ، ولكنا ينبغي أن نعيد ترتيب الأولويات من جديد ، إن هذه البثور والدمامل والقروح التي تغطي وجه الأمة وجسد الأمة عارض ظاهر لمرض كامن في الأمة ، ولو صح جسم الأمة وبرئت من عللها ما كان ممكنا أن تظهر مثل هذه البثور لتشوه الوجه الجميل لهذه الأمة .

في العيد قلت لكم إن الله افترض عليكم هذه الفرائض ومن جملتها صوم شهركم هذا الذي صمتموه أو صامه منكم من أراد الله به الخير ، وأي ما كان الأمر فنحن نعلم من تجاريبنا ونعلم من حقائق قرآننا ونعلم من سنن نبينا عليه الصلاة والسلام أن الرجلين يعملان العمل الواحد يستويان في الشكل والمظهر وفي كل الخصائص البارزة العينية الملموسة ثم يكون بين العملين من الفرق كما بين السماء والأرض . إن صورة العمل ليست ذات جدوى وصدق رسول الله: ربّ مصلٍ ليس له من صلاته إلا التعب والنصب ، وربّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، وربّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه . صدق رسول الله ، فالمدار ليس على صورة العمل الظاهر ، ليس على الشكل الخارجي ، فتلك زيوف إن راجت بين الناس فإنها عند الله لا تروج ، إلا بالقدر الذي تكون عليه مؤسسة على تقوى من الله ومخافة الله وطلب ما عند الله .

ولكن المسلمين بعد أن أقامهم رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام على هذه الجادة المستقيمة ، وعلى هذه المحجة البيضاء أخذوا يجنحون رويدًا رويدًا ، وبصورة تتسارع مع الأيام نحو الانغماس في الدنيا والجري وراء الشهوات والتجاحش على الحطام ، ولا أدري أأنا مخطئ أم مصيب حينما أتساءل: أهذا الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصاته لأحد أصحابه حينما كان يقول له: إذا رأيت هوى متبعًا وشحًا مطاعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فدع عنك أمر العامة وعليك بخويصة نفسك ولو أن تعض على أصل شجرة فيأتيك أجلك وأنت كذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت