فهرس الكتاب

الصفحة 23497 من 27345

بقلم: عدنان سعد الدين

تمهيد

عندما ظهر كتاب جارودي بعنوان: الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية ، كان بمثابة انفجار دوى في أرجاء أوروبا ومن ثم في العالم أجمع ، وكان كوقع الصاعقة على المجتمع الإسرائيلي ، فزلزل كيان الدولة العبرية من القواعد ، وفضح زيفها ، ودلل بما لا يقبل الشك أن الحجج التي اعتمدتها إسرائيل لقيام دولتها في فلسطين على أنقاض شعب شردته من وطنه إنما هي مزاعم كاذبة ، وافتراءات لا سند لها من الدين أو التاريخ أو الحقيقة .

الأمر الذي جعل هذا الكيان المصطنع أكذوبة كبرى في نظر شرائح واسعة من المثقفين والسياسيين ، ومن هم خارج النفوذ الصهيوني في أوروبا وفي ساحة واسعة من دول العالم ، فقامت قيامة الصهاينة في فلسطين المحتلة ، وشنوا حملة شرسة على الأستاذ جارودي زادت من الكشف عن طبيعتهم التلمودية وسياستهم الحاقدة على كل من يقول كلمة صدق ، أو يشهد شهادة حق ، تفضح عدوانهم وما أوقعوه من ظلم وجور وتنكيل على الشعب العربي في فلسطين .

استنفرت إسرائيل ومن ورائها الحركة الصهيونية العالمية بكل نفوذها ووسائلها القضاء والإعلام ودور النشر ورجال الفكر الذين يدورون في فلك النفوذ الصهيوني ، أو يقعون تحت تأثيره ضد الرجل ، حتى حرم من حق الدفاع عن نفسه أو الرد على ما يوجه بحقه من إفك ، في أي وسيلة إعلامية في موطنه ومكان إقامته في باريس ، وفي أي مكان من القارة الأوروبية . ولكن الأستاذ جارودي لم يعدم في الوطن العربي من يقف إلى جانبه ويتضامن معه ، ويكبر شجاعته وصلابته في صراعه مع الأخطبوط الصهيوني ، بل إن لفيفًا من الكتاب شرعوا أقلامهم في الساحة العربية يناصرون جارودي في مواقفه الشريفة والمنصفة ، ويدعون العرب وأحرار العالم للوقوف معه في محنته ، وكان من أبرز ما نشر في هذا الصدد بحث كتبه السيد محمد بركات ونشرته الوطن العربي في عددها 1090 يوم الجمعة في 23 ـ 1 ـ 1998 ، وجاء فيه:

روجيه جارودي مفكر فرنسي مسلم في الخامسة والثمانين من عمره ، وهو واحد من علماء وفلاسفة القرن العشرين ومثقفيه الكبار، وله (55) كتابًا في الفكر والفلسفة والتاريخ والأديان ، نذر عمره للتقريب بين الأديان ، وللحوار بين الحضارات . نشأ ملحدًا ، ثم تحول إلى المسيحية ، فالماركسية ، لكنه كان مهتمًا بالثقافة الإسلامية والحضارة العربية ، فقادته الثقافة الموسوعية إلى الإسلام عام 1983 ، ترجمت كتب جارودي إلى أكثر من ثلاثين لغة عالمية ، ووضعت عنه (22) رسالة ماجستير ودكتوراه ، لهذا يعتبر جارودي أكبر مثقف في عالم اليوم ، ومع هذا فإن روجيه جارودي الذي أصبح اسمه بعد ان أسلم رجاء جارودي يحاكم أمام القضاء الفرنسي لأنه ألف كتابًا بعنوان الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية .

بعد صدور هذا الكتاب ، قامت الدنيا ولم تقعد ، فابتداءً رفضت كل دور النشر طبع الكتاب ، ثم حاصرت المنظمات الصهيونية صاحب مكتبة في سويسرا وزع الكتاب بعد أن طبعه المؤلف على نفقته ، وأقاموا عليه دعوى فحكمت عليه المحكمة بالسجن أربعة أشهر وبغرامة مالية ، أما جارودي فقد لوحق في كل مكان ، ووصلته تسعة تهديدات بالقتل ، قام اللوبي اليهودي بممارسة أبشع وسائل الإرهاب الفكري ضد الرجل الذي قدم كتابًا علميًا في التاريخ ، يقول جارودي: لقد رفضت جميع الصحف التي تشن حملة تشهير واسعة النطاق ضدي مجرد نشر أي رد لي ، مع أن هذا حقي القانوني . وقد هوجم موزع كتبي من العصابات الصهيونية الفرنسية ، وتم تشويه وجهه ، وأحرقت واجهات المكتبات التي تعرض مؤلفاتي ، فضلًا عن منع ظهوري في التلفزيون أو الإذاعة ، ثم ملاحقتي المستمرة في كل مكان .

يقول جارودي: فهذه الحالة من الاضطهاد الفكري والإرهاب الصهيوني ليست حالتي فقط ، ففي السبعينات تم فصل البروفسور روبير فوريسون من جامعة ليدن ، لأنه قدم بحثًا علميًا يقول فيه: إن عملية حرق اليهود في غرف الغاز في ألمانيا أكذوبة ، وفي الثمانينات عندما حصل الباحث هنري روكيه على درجة الدكتوراه من جامعة نانت في موضوع غرف الغاز ، وشكك فيها سحبت منه درجة الدكتوراه لأول مرة في تاريخ فرنسا ، وفصل الأستاذ الذي أشرف عليه بقرار من وزير التعليم ، كما سبق لي أن قدمت للمحاكمة ثلاث مرات في أوائل الثمانينات بسبب مقال في جريدة لوموند يدين الغزو الإسرائيلي للبنان .

يستطرد الكاتب محمد بركات في سرد الأساطير التسع التي يحاكم جارودي عليها ، وفي الحديث عن قانون جيسو الذي وصفه المفكرون بالفضيحة ، والذي يقضي بمعاقبة كل من ينكر وجود غرف الغاز التي كان النازيون يقتلون فيها المعتقلين من اليهود والغجر بالسجن سنة وبغرامة ستين ألف دولار. والغريب أن هذا القانون هو الوحيد في فرنسا الذي يعاقب الإنسان على رأي يبديه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت