أحمد الخطيب
يتردد كثيرًا في وسائل الإعلام مصطلح"نظام الحكم الشمولي"ويراد به كل نظام لا يعترف بالديمقراطية ولا يتبنى مبدأ فصل السلطات، ويدخل فيه بالطبع جميع الأنظمة الدكتاتورية الفردية، ويحملونه مسؤولية كل فساد وشر يحدث في الدولة، كما ويُحملونه مسؤولية كل أنواع التخلف في جميع قطاعات المجتمع.
وبشكل إجمالي فإن الأنظمة التي لا تلتزم الخيار الديمقراطي تُتهم بأنها أنظمة شمولية وتوصف بشتى الأوصاف السلبية وتُنعت بأقبح النعوت.
ويغالي يعضهم بالقول إن أي نظام حكم لا يُطبِّق الديمقراطية هو نظام حكم شمولي، وعليه فيكون نظام الحكم في نظر هؤلاء الغربيين لا يخرج عن واحد من اثنين: إما أن يكون ديمقراطيًا وإما أن يكون شموليًا.
وبهذا التوصيف التعسفي لأنظمة الحكم يتم إسقاط هذا الوصف ليس على أنظمة الحكم الوضعية الحالية وحسب، بل ويعمم على جميع أنظمة الحكم التي عرفتها البشرية منذ فجر التاريخ، فكأن الحضارات والثقافات على مر العصور لم تعرف سوى هذين النظامين.
وبناءً على ذلك فإن نظام الحكم الإسلامي يكون بحسب نظريتهم هذه هو نظام حكم شمولي يستوي مع أنظمة الحكم الاستبدادية الدكتاتورية الحالية القائمة في معظم الأقطار العربية والإسلامية، كما ويستوي مع الأنظمة الشيوعية والفاشية، فجميعها في عرفهم تعتبر أنظمة شمولية.
إن القياس والتعميم ابتداء هو منهج خاطئ في الحكم وفي الأبحاث الفكرية لأن النتيجة المؤكدة لهذا القياس فيها من الظلم والعسف والتجني ما يجعلها لا ترقى حتى إلى مستوى النقاش، والأصل أن تبحث كل حالة على حدة، فكل نظام حكم له مزايا ومواصفات تميزه عن الآخر، فلا يجوز إطلاق الأحكام بالقياس الشمولي، لأن ذلك يجعله قياسًا تعسفيًا لا يتوافر فيه عناصر القياس الكاملة الصحيحة.
على أن كشف حقيقة أية فكرة هو الذي يدفعنا لمناقشتها، لإدراك كنهها فلا تنطلي علينا أية أعمال تدليس فكرية قد يقام بها في محاولة مرسومة لإخفاء الحقائق من خلالها.
إن نظام الحكم الشمولي من وجهة نظر الغرب لا يبتعد كثيرًا عن نظام الحكم الدكتاتوري الفردي الذي يُمجد فيه الزعيم ويُقدس الحاكم الذي يجمع كل السلطات بيده، والذي يسيطر على جميع مؤسسات الدولة، فيكون هذا الفرد الحاكم هو الآمر الناهي في كل شؤون المجتمع، ويصبح ما يقوله هو القانون، في الوقت الذي لا يخضع هو للقانون، لأنه يُعتبر فوق القانون، بل وفوق المحاسبة، إذ لا نظير له في البلد كما يتوهم، وبالتالي فإنه لا يتنحى عن السلطة تحت أي ظرف من الظروف، إلا إذا غيَّبه الموت، أو نجح انقلاب في خلعه.
ومن مزايا النظام الشمولي الدكتاتوري أنه يقيم أجهزة بوليسية أمنية قمعية تنتهك الحقوق، وتبطش بمن يعترض أو يحاسب أو يختلف مجرد اختلاف مع مزاج الحاكم. ومن الأمثلة على هذه الأنظمة الشمولية الأنظمة القائمة في البلدان العربية حاليًا، والأنظمة الشيوعية التي كانت قائمة إبان العهد السوفياتي، والأنظمة العسكرية في مختلف أرجاء العالم وما شابهها.
ومن المفارقة الغريبة أن أنظمة الحكم الشمولية التي دأب الغرب على مهاجمتها، هي نفسها التي أقامها الغرب بنفسه منذ دخول عهد الاستعمار للبلاد المستضعفة، والتي لم يكن فيها من قبل مثل هذه الأنظمة، فالاستعمار الغربي تحديدًا هو الذي أنشأ هذا النوع من الأنظمة، وهو الذي ما فتئ ينتقدها.
وذرائع ومبررات وجود مثل هذه الأنظمة الاستبدادية الفردية، المسماة بالشمولية هي بالنسبة لأصحابها لا تخرج عن ثلاث حجج:
1)الادعاء بأن الحفاظ على أمن الوطن والمواطن من الذين يتربصون به وهم كثر في الداخل والخارج كما يُزعم، اقتضى وجود مثل هذه الأنظمة الاستبدادية.
2)القول بأن الديمقراطية لا تتماشى مع الدين، وهذا خاص ببعض الأنظمة التي تدعي بأنها أنظمة دينية كالسعودية مثلًا، هذا القول اقتضى وجود أنظمة سُمِّيت بالشمولية.
3)الزعم بأن الصراع مع العدو اليهودي هو الذي استوجب وجود هذه الأنظمة الشمولية الفردية الدكتاتورية التي تستطيع مواجهة العدو كما زعموا.
لقد كان من الطبيعي أن تظهر نتائج وآثار لهذه الأنظمة على أرض الواقع حيث تمثل أسوأ ما يمكن أن يتمخض عن تلك الأنظمة وكان من أبرزها:
1-عسكرة الدولة والمجتمع، وقتل الحياة الطبيعية والمدنية في البلاد، وتمثل ذلك في فرض ما يُسمى بقوانين الطوارئ العرفية الدائمة.
2-اعتبار التسلط والقهر والقمع شيئًا عاديًا في ظل هذه الأنظمة القمعية.
3-تدمير القيم السامية والعليا في المجتمعات وبث الذعر والرعب في كل زاوية من زوايا المجتمع من قبل الحاكم وأجهزته وأدواته.
4-نشر مختلف أنواع الرذائل والشرور بحرية تامة باعتبار أنها لا تضر بالحاكم وبسلطاته ونفوذه.
5-انتشار التخلف والانحطاط في مختلف مجالات الحياة كتحصيل حاصل لتلك السياسات.