6-وجود منفذ سهل يسمح للقوى الأجنبية بالنفاذ من خلاله لبسط نفوذ تلك القوى.
مع أن هذه الآثار وتلك النتائج التي أفرزتها هذه الأنظمة المسماة بالشمولية والتي لا تمت إلى الإسلام بصلة، إلا أن أعداء الإسلام حاولوا الإيماء بأن هذه الأنظمة الشمولية التي أوجدوها هم، ما هي إلا امتداد طبيعي لنظام الخلافة الإسلامية، فالتدليس واضح في مسعى هؤلاء الأعداء للتلبيس على العقول من خلال ذلك الربط الغريب بين نظام الحكم في الإسلام وبين الأنظمة الشمولية التي اخترعها الكافر المستعمر وزرعها في بلاد المسلمين، ورعاها وأسندها بكل ما أوتي من قوة، ثم بعد ذلك أوجد بينها وبين الإسلام نسبًا.
ففي الإسلام الحكم والملك والسلطان هو بمعنى واحد وهو السلطة التي تنفذ الأحكام الشرعية على الناس في دار الإسلام، أو كما يقول بعض الفقهاء هو عمل الإمارة التي أوجبها الشرع على المسلمين لدفع التظالم وفصل التخاصم، وهي عينها ولاية الأمر، يقول تعالى: أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ { والطاعة هنا متعلقة برعاية شؤون الرعية بالفعل من قبل أولي الأمر، أي من قبل الأئمة أو الخلفاء، وهذا المعنى تؤكده عشرات النصوص القرآنية الكريمة والنبوية الشريفة وذلك كقوله تعالى: } فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ { وقوله: } وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ.
ففرق كبير بين الحكم بالهوى كحكم الدكتاتور في أنظمة الحكم الشمولية، وبين الحكم بالشرع في نظام الحكم الإسلامي، وهذا الفرق هو فرق بين الكفر والإسلام، وفرق بين حكم الله وحكم البشر، وبالتالي فلا مجال لإدخال هذا بذاك، ولا مكان للتلبيس والتخليط.
وأصل الحكم في الإسلام كما يعلم القاصي والداني يقوم على أساس العدل مصداقًا لقوله تعالى: وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ بينما حكم الطاغوت في الأنظمة الشمولية يعتمد على الظلم والقهر والتسلط والمزاج والهوى.
يقول الماوردي في مقدمة كتابه الأحكام السلطانية:"إن الله جلَّت قدرته ندب للأمة زعيمًا خلف به النبوة، وناط به الملّة، وفوَّض إليه السياسة، ليُصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة عن رأي متبوع، فكانت الإمامة أصلًا عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح الأمة، حتى استثبتت بها الأمور العامة، وصدرت عنها الولايات الخاصة، فلزم تقديم حكمها عن كل حكم سلطاني، ووجب ذكر ما اختص بنظرها على كل نظر ديني لترتيب أحكام الولايات على نسق متناسب الأقسام متشاكل الأحكام".
ويُحدد الماوردي للإمام عشر مهام هي:
1-حفظ الدين. 2- تنفيذ الأحكام. 3- حماية البيضة. 4- إقامة الحدود. 5- تحصين الثغور.
6-جهاد المعاندين للإسلام. 7- جباية الفيء والصدقات. 8- تقدير العطايا. 9- استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء. 10- مباشرة الأمور وتصفح الأحوال.
هذه هي أحكام فقه نظام الحكم الإسلامي مأخوذةً من أهم كتب السياسة الشرعية المعتبرة، فأين منها أحكام فقه الهوى وسياسات البطش والإفساد في الأرض في ظل تلك الأنظمة الشمولية والتي تعتمد على الأجهزة الأمنية البوليسية وما تمارسه من قتل وتعذيب، وسجن وترهيب، وانتهاك للحرمات وتعدي على المحرمات، بينما يقول الحق تعالى: وَلَا تَجَسَّسُوا ويقول الرسول r في حديث رواه أحمد:"لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من يتتبع عوراتهم يتتبع الله عورته ومن يتتبع الله عورته يفضحه في بيته"، ويقول أيضًا في حديث رواه البخاري ومسلم:"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا"ويقول u في حديث رواه مسلم:"إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا"ويقول في حديث آخر رواه مسلم أيضًا:"المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه". فهل هذه المعاني السامية في نظام الحكم الإسلامي موجودة في أنظمة الحكم الشمولية؟!.
أما قولهم إن نظام الحكم في الإسلام والأنظمة الشمولية تتشابه في بقاء الحاكم مدة طويلة في السلطة، وتتشابه في عدم الفصل بين السلطات، وبالتالي فهي واحدة، فإن هذا القول ينم عن جهل أو تغرير، وذلك لأن مجرد الشبه لا يعني التطابق، فالمشكلة لا تكمن في طول مدة الحكم، وإنما تكمن في الأنظمة والقوانين والتشريعات والمعالجات التي يتم تطبيقها، هل هي صحيحة من لدن حكيم خبير أم هي باطلة مستقاة من عقل إنسان حقير؟ فالعبرة بالأحكام لا بالحكام، والعبرة بإحسان التطبيق للفكرة الصحيحة وليس بعدم تطبيقها، أو بتطبيق أفكار فاسدة لا تتفق مع فطرة الإنسان، ولا تتوافق مع عقله.