فهرس الكتاب

الصفحة 6472 من 27345

الحداثة العربية !

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

"… لا يجب أن نسمح لأحد بأن يسلبنا المبادرة … علينا نحن أن نعمل على تحقيق التقدم والمساواة وحقوق الإنسان، ورفض الإجابات الجاهزة، لغة الماضي التي تسحقنا …"

بهذه الكلمات افتتح مؤتمر المؤسسة العربية للتحديث الفكري والتي تمَّ ولادتها رسميًا في بلاد المسلمين بعد أن كانت حينًا من الزمن في سويسرا.

إنَّ ما يثير العجب والدهشة أن تتلاقى جهود"الحداثيين"في نهج واضح لهم، تتلاقى في مؤسسات وأفراد وإعلام، في الوقت الذي نرى فيه تمزّق جهود المسلمين الذين يعلن كلّ منهم أنَّه يريد حماية الإسلام ودين الله ونصرته.

"المؤسسة العربية للتحديث الفكري"تنهض لِتُعْلِنَ ولادتها من بيروت، وتقيم مؤتمرًا ضخمًا تحت عنوان:"الحداثة والحداثة العربية"! (1) يشهده العاملون للحداثة من مصر وسوريا ولبنان وليبيا والأردن وتونس والمغرب وغيرها، يمثل هذه البلاد رجال عرفوا باتجاههم الحداثي الذي يسمونه تنويرًا. وفي الكلمات التي أُلقيت في المؤتمر أجمع الرأي على أن الجسم مريض كلّه، وأن هدف المؤسسة:"إحياء المشروع التنويري على المستوى الفكري". وقالوا:"إنَّ الذي نحن فيه ليس إغماءة ولكنّه موت عيادي …" (2) وهل عملية التنوير التي يريدونها تحيي الموتى من الموت العيادي؟! أم توقظ الغفاة الغافلين؟! وهل هم واثقون من أنَّ المرض لم يمسَّهم وإنَّما مسَّ غيرهم، وأنهم هم معافَون ؟!

ويقولون:"إن أهداف المؤسسة العربية للتحديث الفكري"هو الإسهام في تطوير فكر وثقافة عربيين تقدميين وإنسانيين وتنشيط الإبداع الثقافي من خلال الانفتاح على منجزات الحداثة في العالم"."

هو إعلان صريح عن أنَّ القضيّة قضيّة عربيّة فقط، قضيّة يراد أخذها من الغرب، من منجزات الحداثة في العالم، ليصبح عندنا ثقافة تقدّمية إنسانيّة ! وأعجب أن يصدر هذا عن رجل لم تصبه إغماءة ولا مات موتًا عياديًا. أعجب كيف يرجو التقدّم والإنسانية من منجزات الحداثة في العالم. وهل هذه المنجزات غير ما نراه في فلسطين والعراق وأفغانستان وأفريقيا وهيروشيما وناجازاكي ودول أمريكا اللاتينية، بل في ديارهم هم في أمريكا والغرب، حيث لم يظهر في التاريخ البشري قادة يكذبون ويفترون، ويظلمون ويعتدون ويفسدون، كما نراه من قادة أمريكا ومنجزاتها الحضارية والتقدمية والإنسانية التي سحقت حقوق الإنسان وكرامته، وسحقت الأمومة وأيامها، والطفولة وأعيادها، والمرأة وكرامتها، وحولت ذلك كله إلى شعارات ترفرف فوق المجازر والدماء والأشلاء والجماجم.

يتحدّثون عن الإنسانية ويريدون أن يأخذوها من منجزات الحداثة الغربيّة. وهل عرفت البشريّةُ الإنسانيّةَ خارج الإسلام ؟! هذا هو التاريخ البشري كلّه قديمه وحديثه، سحقوا الأمومة في الأسرة والبيت، ثمَّ جعلوا لها عيدًا، عيد الأم، الأمومة الحقيقية هي في البيت الذي لم يتمزّق، في الأسرة التي اشتدت روابطها. والطفولة لا تنبت إلا في أحضان الأمومة الحانية، تفرغ من صدرها صافي الغذاء لأطفالها، وصادق الجهد من بذلها، وصادق العاطفة من قلبها وحنانها، عندما تعطي ذلك كله الوقت الحقَّ لتربية الأجيال، وتنشط في المجتمع بعد أن تكون رعت البيت والأسرة، وتدخل ميادينها الكريمة في البذل والعطاء، طاهرة عفيفة.

أين هو التنوير وأين هي الإنسانية ؟! لقد أدخلت منجزات الحداثة في العالم الإنسانَ في ظلام دامس، وأسقطته في وحول، ورمته في تيه من الضياع:

( أفمن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في النَّاس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون )

[ الأنعام: 143]

من كان جادًا في إصلاح حال الأمة فمن الخطأ أن يلجأ إلى منجزات الحداثة التي أهلكت الناس. من كان جادًا في ذلك فليلجأ إلى الإسلام، إلى دين الله، إلى النور المتدفق والخير الحقّ، والأسلوب الجادّ في كلِّ إصلاح.

لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن"الحداثة العربية"و"الحداثة"بصفة عامة في المجتمعات الإسلامية وطال مداه زمنًا غير قليل، والمسلمون في جدال بين رافض وقابل وراغب على استحياء وبين مَنْ يحاول استحداث"حداثة راشدة"لتقاوم"الحداثة الهجينة"الزاحفة.

ولفظة"الحداثة"نفسها تحتاج إلى وقفة لنرى مدى ضرورة استخدامها، وقد طلع بها"الحداثيون"أولًا وجعلوا منها مصطلحًا لفكر محدد عندهم، حتى اشتهروا به والتصقوا به والتصق بهم.

وعند العودة إلى الكتاب والسنة نجد أن هذا المصطلح لم يَعدْ يناسب النهج الإسلامي بعد أن بُعث محمد صلى الله عليه وسلم، واستقرَّ الإسلام دينًا للأمة كلّها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت