فكلمة حَدَثَ وأحدثَ وحديث وحداثة لها معانٍ متعددة في المعاجم. ولكن من الناحية الفكرية، وحسب ما أتت به الآيات والأحاديث، غلب عليها معنى ضد القديم الثابت عليه الناس. فإن كان هذا القديم باطلًا فكلمة محدَث تدلّ على الحق الذي جاء يلغي الباطل السائد والممتدّ، كما في قوله سبحانه وتعالى:
( وما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدَث إلا كانوا عنه معرضين )
[الشعراء: 5]
وكذلك قوله سبحانه وتعالى:
( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدَث إلا استمعوه وهم يلعبون )
[ الأنبياء: 2]
ذلك أن الذكر الذي جاءهم محدثٌ ضد القديم الذي هم عليه. والقديم الذي هم عليه باطل، والذكر المحدَثُ هو من عند الله، وهو الحق.
أما عندما استقرَّ الإسلام وأصبح دين الأمة، فقد تغير استعمال هذه اللفظة مع بقاء مدلولها أنها ضد القديم الثابت في الأمة.
وفي الحديث الذي يرويه أبو داود والترمذي وابن ماجه يرد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( … إيَّاكم ومحدَثات الأمور فكل محدَثة بدعة وكلُّ بدعة ضلالة ) (2)
وفي كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما دخل المدينة، يأتي قوله:
( … وأنه لا يحلُّ لمؤمن أقرَّ بما جاء في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر مُحْدِثًا أو يؤويه وأنَّ من نصره أو آواه، فإنَّ عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة. ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل ) . (3)
ولذلك أصبحت كلمة"أحدث"و"محدث"تدل على أمر مرفوض شرعًا، غير مقبول، ولا مجال لتزيينه وزخرفته، لأنها منذ أول استعمالها هي ضد القديم. والقديم الثابت الممتد بعد أن استقرَّ الإسلام هو الإسلام. فمن أحدث فقد أتى بما يخالف الإسلام، والمحدَث: الأمر المنكر الذي يرفضه الإسلام.
وفي لسان العرب:
? الحديث: نقيض القديم.
? محدَثات الأمور: ما ابتدعه أهل الأهواء من الأشياء التي كان السلف الصالح على غيرها.
? المحدثة: ما لم يكن معروفًا في كتاب ولا سنة ولا إجماع.
يتضح من ذلك أن لفظة الحداثة اليوم، كما أتى بها أهل الحداثة العلمانيون، تعني ما خالف الكتاب والسنة. وما أتى به أهل الأهواء، وما لم يكن عليه السلف الصالح من الأمة.
وأما موضوع"الحداثة العربيّة"، فهل القضية قضيّة قوميّةٌ وهل الميزان ميزان قومي ؟! وهل الحداثة التي يطرحها أهلها يطرحونها على أساس قومي أم على أساس عام للناس كافة ؟! وحتى نجابه هذه"الحداثة الهجينة"المزخرفة بزخرف"العروبة"والموجّهة للناس كافة فعلينا أن نجعل منطلقنا وميزاننا عالميًّا لكل إنسان وشعب وأرض، ولا يوجد غير الإسلام يؤمِّن لنا هذا التوجّه الإنساني العام، ليكون هو المصطلح والمفهوم والميزان. لقد منَّ الله على العرب بالإسلام ليكون هو شعار المبادئ ومصطلحها ودينها ورسالتها ونهجها. وما عرف تاريخ الإسلام في الفكر والأدب والشعر إلا الإسلام عقيدةً ودينًا وشعارًا، مهما وقع من تفلّت في بعض المبادئ. لقد ظلّ الشعراء كأبي تمام والمتنبي وغيرهما يجعلون من الإسلام تدفق عاطفتهم ومصطلحهم في أشعارهم.
لقد نهجت هذه القوى"الحداثية العلمانيّة"خطة مكر أصابت نجاحًا، حيث استفادت من ضعف المسلمين وجهلهم بحقيقة إسلامهم، وكثرة تنازلاتهم، وميلهم إلى المهادنة، أو الاستسلام. فسارت على خطّة شيطانيّة حذَّرنا القرآن الكريم منها بقوله سبحانه وتعالى:
( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خُطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحدٍ أبدًا ولكنَّ ا لله يُزكّي من يشاء والله سميع عليم )
[ النور: 21 ]
حتى جعلوا"الحداثة حداثة عربية"وأنشأوا لها تلك المؤسسة السابق ذكرها.
جاءت"الحداثة"ومرت بنفس مراحل خطوات الشيطان، حتى أصبح من بين المسلمين دعاةٌ صريحون يدعون إلى حداثة الغرب وإلى ما يسمّونه"الحداثة العربية"أو"الحداثة الراشدة". في مواقف كثيرة رأينا كيف أن بعض المسلمين استُدْرِجوا خطوةً خطوةً حتى أصبحوا دعاة للاشتراكية والديمقراطية والعلمانية والحداثة. ولقد بلغ الأمر أحيانًا إلى عدم استحسان نقد الحداثيين أو فكرهم أو مصطلحهم، وإلى أن أصبح بين أيدي الحداثيين والعلمانيين إعلام واسع. ولم تكن"الحداثة"وحدها تصارع، وإنما كان معها العلمانية الزاحفة علينا بوسائل الإعلام، ومعها الأدب العلماني والفكر العلماني، ومعها المؤسسات الدولية الداعمة لها، والجيوش الزاحفة كذلك، قوى كثيرة تتساند في هذا الصراع بين أمواج الدماء وتطاير الأشلاء والجماجم في ديار المسلمين المختلفة.
لفظة الحداثة، لم تعد تعني التطور والنمو، ولا الرشاد والوعي، ولا التجديد. ونحن لسنا بحاجة لها وقد أغنانا الله عنها ومنَّ علينا بخير منها.