فهرس الكتاب

الصفحة 6375 من 27345

الكتاب: مقالات يحيى هاشم فرغل

لما كان الإنسان مخلوقا لله زوده ربه بدرجة عالية من الإدراك والوعي كان لا بد أن يتحرك في باطنه شوق طبيعي لا إلى معرفته سبحانه فحسب ، ولكن إلى لقائه كذلك ، وليس له طريق إلى الأمرين إلا أن يكون طريقَ العبادة أو راجعا إليها .

والعبادات إجمالا تسهم في الحصول على مطلوب الإنسان أو تقربه من ربه ، وأظهر العبادات في ذلك الصلاة ، فهي معراج المؤمن ، وهي محاولاته الدائبة المتكررة في هذا السبيل .

وبالرغم من أن الصلاة هي أظهر العبادات في هذا الباب ، وأقرب المسالك إليه ، وأدومها فيه .. إلا أن شريعة الإسلام - وهي شريعة الفطرة - فتحت أمام مشاعر الإنسان بابا فذا آخر في الحج .

فقد وضع الله البيت في الأرض للناس يقول تعالى: ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ) 96 آل عمران: الناس وتلك فطرتهم

وضعه ليقصده القاصدون إلى الله..

وإن من قصد البيت جدير باللقاء . ولكنه اللقاء المؤجل إلى دار القرار.

إذن ففيم الزيارة اليوم ؟؟

إنه حفل الشوق - في الحج - تمهيدا لحفل اللقاء في يوم القيامة

هنا يعالج حفل الشوق هذا مشاعر الإنسان بالوعد والإذكاء والتعويد والتحضير ليوم موعود .

وكما يقول الإمام الغزالي عن البيت( بيت الله عز وجل قد وضع على مثال حضرة الملوك فقاصده قاصد إلى الله تعالى وزائر له .

وإن من قصد البيت في الدنيا جدير بأن لا يضيع صاحب البيت زيارته فيرزقه مقصود الزيارة في ميعاده المضروب له ، وهو النظر إلى وجه الله تعالى في دار القرار .

حيث إن العين الفانية في دار الدنيا لا تتهيأ لقبول نور النظر إلى وجه الله عز وجل ، ولا تطيق احتماله ولا تستعد للاكتحال به لقصورها .

وإنها إن أمدت في الدار الآخرة بالبقاء ونزهت عن أسباب التغير والفناء استعدت للنظر والإبصار ، وهي بقصد البيت والنظر إليه تستحق لقاء رب البيت بحكم الوعد الكريم ).

ولهذا قلنا إن الحج حفل الشوق

وفي فقرات حفل الشوق يأتي الطواف والسعي والوقوف بعرفة

والمسلمون وهم يمارسون الشوق بالطواف حول البيت الحرام لا يخطر ببالهم قط أن هذا البيت - الذي وضعه الله في الأرض للناس - لا يخطر ببالهم قط أنه بيت الله المسكون ، ولكن يجوز أن يخطر ببالهم أنه بيت الله المقصود ، يقصدونه تحريكا لأشواقهم ، في لقاء لا يتم إلا بشروطه في الآخرة .

ومن أجل هذا كان البيت مجردا تماما من كل ما يعنى السكنى ، وهو لم يكن قط مسكونا في التاريخ ، لكائن من الكائنات ، لا لآدم ، ولا لنوح ، ولا لإبراهيم ، ولا لمحمد ، ولا لنبي ، ولا لملك ، وإنما هو تجريد خالص لقصد اللقاء بالله في يوم موعود.

ومن أجل هذا التجريد كان أول عمل قام به محمد صلى الله عليه وسلم في دخول البيت بعد رجوعه إلى مكة فاتحا ليس هو الحجَّ ، ولا العمرةَ ، وإنما إزالة كل مظاهر الوثنية ، التي أقامها المشركون من حوله .

حتى الحجر الأسود في موضعه من بناء الكعبة لم ينتسب قط إلى شكل من"الأشكال المعينة"، ولم ينتسب قط إلى رسم من الرسوم المعبودة ، ولم يذكر له تاريخ في تحقيق مكرمة أو خارق ، إنما هو مجرد حجر ، أو حجر مجرد ، يعلن المسلمون وهم يستلمونه أنه ( لا يضر ولا ينفع ) ويتحقق باستلامهم إياه قمة معاني الحج ، ألا وهي تحقيق العبودية لله بالانقياد للأمر ، فيتحقق بذلك العبودية التامة في أجلى معانيها .

وفي السعي بين الصفا والمروة يطرق المسلم باب اللقاء بالله ، فهو يتردد بين الصفا والمروة كأنه يتردد بفناء دار الملِك ، جائيا ذاهبا ، ورائحا وغاديا ، مرة بعد أخرى ، إظهارا للخدمة وإعلانا للإخلاص ، واستمرارا للملاحظة والرعاية ، والتماسا للرضا وتوثيق المحبة

وهو لا يدري ما الذي قضى الملك به في حقه من قبول أو رد ، فلا يزال يتردد على فنائه يرجو أن يرحم في الثانية ، إن لم يرحم في الأولى ، ويتذكر العبد عند تردده بينهما تردده في عرصات يوم القيامة .. ناظرا إلى الرجحان والنقصان ، ( فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ) 6-7 القارعة

وفي يوم عرفة يقول صلى الله عليه وسلم فيما جاء بسنن الترمذي بسنده وصححه الحاكم في مستدركه:"الحج عرفة"إذ فيه تشرق أسرار الحج ، في تضرعات الواقفين ، وانهمار دموعهم ، وفيض بكائهم ، وروعة تناجيهم ، وصدق تبذلهم ، ومدى انكسارهم ،:

في ذلك كله تتمثل صورة مصغرة لروعة اليوم العظيم ، الذي يقف فيه الخلائق يرجون رحمة ربهم ، وينتظرون ما يقضي به مولاهم عليهم في عرصات يوم القيامة ، يوم يتذكر الإنسان ما سعى ، يوم تتوسل الأمم إلى ربهم بأنبيائهم ، متطلعة لرسلهم ، متشفعة بهم عند ربهم ، في حيرة ساكنة ، وسكرة صامتة، وشدة شاملة ، ورهبة عظيمة ، وحالة مهيبة ، ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ، وتضع كل ذات حمل حملها ، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ، ولكن عذاب الله شديد . ) أول سورة الحج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت