وإذا تذكر المرء ذلك لزم قلبه الضراعة والابتهال ، فالموقف شريف والرحمة إنما تصل من حضرة الجلال إلى كافة الخلق .
فإذا اجتمعت همم الأمم ، وتجردت قلوبهم للضراعة والابتهال ، وارتفعت إلى الله أيديهم ، وامتدت إليه أعناقهم ، وشخصت نحو السماء أبصارهم ، مجتمعين بهمة واحدة على طلب الرحمة لم يعبث بقلب المسلم ظن بأن الله يخيب رجاءهم ويضيع سعيهم
ولذلك كان من أدبيات الحج في الإسلام أن من أشباه الذنوب أن يحضر المرء عرفات وهو يظن أن الله لا يغفر له .
وكان من أدبياته أيضا أن قمة معاني الحج تحقيق العبودية بالانقياد للأمر ، ( لبيك حجة حقا ، تعبدا ورقا ) فتتحقق بذلك العبودية التامة في هذا الحفل - حفل الشوق - استعدادا لذاك الحفل: حفل اللقاء .
إنه في الحج يكون حفل الشوق تمهيدا لحفل اللقاء .
وفي توضيح ذلك ما جاء في المعجم الأوسط للطبراني: بسنده عن عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخطى إليه رجلان ، رجل من الأنصار ورجل من ثقيف
سبق الأنصاري الثقيفي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للثقفي إن الأنصاري قد سبقك بالمسألة ، فقال الأنصاري: لعله يا رسول الله أن يكون أعجل مني فهو في حل ، قال فسأله الثقفي عن الصلاة فأخبره ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري: إن شئت خبرتك بما جئت تسأل عنه ، وإن شئت سألتني فأخبر بذلك ، فقال يا رسول الله: تخبرني .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت تسألني مالك من الأجر إذا أممت البيت العتيق ، وما لك من الأجر في وقوفك في عرفة ، وما لك من الأجر في رميك الجمار ، وما لك من الأجر في حلق رأسك ، وما لك من الأجر إذا ودعت البيت .
فقال الأنصاري: والذي بعثك بالحق ما جئت أسألك عن غيره
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
فإن لك من الأجر إذا أممت البيت العتيق ألا ترفع قدما أو تضعها أنت ودابتك إلا كتبت لك حسنة، ورفعت لك درجة .
وأما وقوفك بعرفة: فإن الله عز وجل يقول لملائكته: يا ملائكتي ما جاء بعبادي ؟ قالوا: جاءوا يلتمسون رضوانك والجنة ، فيقول الله عز وجل: فإني أشهد نفسي وخلقي أني قد غفرت لهم ؛ عدد أيام الدهر ؛ وعدد القطر ؛ وعدد رمل عالج .
وأما رميك الجمار: فإن الله عز وجل يقول"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون"
وأما حلقك رأسك: فإنه ليس من شعرك شعرة تقع في الأرض إلا كانت لك نورا يوم القيامة .
وأما البيت: إذا ودعت فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك
قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن عبادة إلا بهذا الإسناد تفرد به يحيى بن أبي الحجاج
وفي رواية أخرى بتفصيلات أخرى جاء في الترغيب والترهيب للمنذري: وروى ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد منى ، فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف ، فسلما ، ثم قالا: يا رسول الله جئنا نسألك . فقال: إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت ، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت ، فقالا: أخبرنا يا رسول الله ، فقال الثقفي للأنصاري: سل ، فقال: أخبرني يا رسول الله .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام ، وما لك فيه ، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما ، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه ، وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه ، وعن رميك الجمار وما لك فيه ، وعن نحرك وما لك فيه مع الإفاضة .
فقال - أي الأنصاري - والذي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتك خفا ولا ترفعه إلا كتب الله لك به حسنة ، ومحا عنك خطيئة .
وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل عليه السلام وأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة .
وأما وقوفك عشية عرفة: فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة ، يقول: عبادي جاؤوني شعثا من كل فج عميق ، يرجون جنتي ، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل ، أو كقطر المطر ، أو كزبد البحر لغفرتها . أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم له .
وأما رميك الجمار: فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات.
وأما نحرك: فمذخور لك عند ربك .
وأما حلاقك: رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة ، ويمحى عنك بها خطيئة .
وأما طوافك بالبيت بعد ذلك: فإنك تطوف ولا ذنب لك ، يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك ؛ فيقول: اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى ) .
رواه الطبراني في الكبير ، والبزار واللفظ له ، وقال: وقد روي هذا الحديث من وجوه ، ولا نعلم له أحسن من هذا الطريق .
قال المملي رضي الله عنه: وهي طريق لا بأس بها ، رواتها كلهم موثقون ، ورواه ابن حبان في صحيحه .