وهو يرجع من حفل الشوق ( الحج ) إلى مواجهة الحياة لتظهر عليه آثاره إذ لم يكن حجه قاصرا على مجرد القيام بأعماله الظاهرة من الإحرام والطواف والسعي والوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ، ومنى ورمي الجمار وسوق الهدي ونحره ، والتقصير والتحلل .. وإنما كان شاملا لكل ما يراد من الحج: أن يرتبط - كغيره من العبادات - بباطن المسلم ..
يرجع من حفل الشوق:
مصرا على ترك ما كان عليه من المعاصي
مستمرا في أن تكون نفقته في حياته حلالا
مستمرا في كثرة البذل والنفقة في سبيل الله
مستمرا في ترك الرفث والفسوق والجدال
مقبلا على التقرب بإراقة الدم وإن لم يكن واجبا عليه .
يرجع من حفل الشوق:
متخلقا بطيب النفس بما ينفقه أو يصيبه من خسران في مال أو أذى في بدن ، أو جهاد
متخلقا بما أملاه عليه الحج من شعور المساواة والأخوة مع جميع المسلمين من جميع أنحاء العالم مهما اختلفت ألوانهم وجنسياتهم وطرق معيشتهم ، وآراؤهم وهمومهم .
مقبلا على مشاركة قومه الرأي والنصح والمشورة والعون والتعاطف والتراحم والشكوى والفرح والأمل .
متحققا بشعور التوحد مع المسلمين مهما تباعدت ديارهم كجسد واحد ، ونفس واحدة ، وإرادة واحدة ، ومصير واحد .
راجعا من حفل الشوق في يده: في جدول أعماله: في قلبِه بالأحرى - خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في عرفة في خطبة الوداع .
ففي سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجة ، فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سنن حجهم ، وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
( أيها الناس اسمعوا قولي ، فإني لا أدرى لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا ، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا ، وكحرمة شهركم هذا ، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلَّغت .
فمن كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها .
وإن كل ربا موضوع ، ولكن لكم رءوس أموالكم ، لا تظلمون ولا تظلمون ، قضى الله أنه لا ربا ، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله .
وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع ، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل ، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية .
أما بعد أيها الناس: فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم ، فاحذروه على دينكم
أيها الناس: إن النسيء زيادة في الكفر ، يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ، ليواطئوا عدة ما حرم الله ، فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله ، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متوالية ، ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان.
أما بعد أيها الناس: فإن لكم على نسائكم حقا ولهن عليكم حقا ، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة ، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع ، وتضربوهن ضربا غير مبرح ، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، واستوصوا بالنساء خيرا ، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا ، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمات الله ، فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلَّغت .
وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: أمرا بينا كتاب الله وسنة نبيه .
أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه ، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة ، فلا يحل لامرىء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه ، فلا تظلمُن أنفسكم ، اللهم هل بلغت ).
فذكر لي - والقول للراوي - أن الناس قالوا: اللهم نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اشهد
وفي حفل الشوق ( الحج ) يستعد المرء لمواجهة الموت
إنه لمن المكابرة أن يشيح بعض الناس بوجوههم عن ذكر الموت .
إن الموت هو أشد حقائق المستقبل وضوحا في حياة الإنسان ، وكما يقول بعض المفكرين: إن كل إنسان يتحرك وهو يحمل في طياته حكما بالإعدام ، خبئ عنه موضع التاريخ فيه .
وليس هناك مغالطة أخطر من مغالطة الإنسان وهو يؤجل التفكير في: كيف يمكنه أن يواجه هذه اللحظة: لحظة الموت ؟!
ويكاد يوازي هذه الحقيقة وضوحا حقيقة أخرى هي: أن العبادة الصحيحة هي التدريب الوحيد الصحيح لهذا اللقاء المحتوم: لقاء الموت .
ومن هنا كان فضل الإسلام على الإنسان في لحظة الموت كما في لحظة الحياة
إنه تدريب منظم ، يتغلغل إلى أعماق الروح ، ويعدها للحظة الموعودة .
ذاك تدريب أشبه بالتدريب الجسدي الذي يستغرق من الإنسان شهورا وسنوات .. لكي يبرز أثره فيما بعد في موقف قد لا يستغرق أكثر من دقائق أو ثوان ..