فهرس الكتاب

الصفحة 6378 من 27345

هنا يحدث ما يسمى بلغة العصر"برمجة"برمجة الجهاز العصبي ، بحيث يقوم بالدور المطلوب منه تلقائيا وبالسرعة التي يتطلبها الموقف.

فمن فرط في هذا التدريب ثم تورط في الموقف فشل تماما في مواجهته

وكذلك حال الإنسان بالنسبة للموت .

وهذا مثال تقريبي لمواجهة الموت مع الفارق الهائل بين الموقفين .

وإذا كان هذا الحال مصحوبا بشدة فإن الإنسان عندئذ يكون محتاجا بالضرورة لأن يكون قد استعد لها استعدادا طويلا .

وهذا الاستعداد الطويل والبرمجة الروحية المطلوبة إنما يتم بدوام العبادة ، والذكر لله سبحانه وتعالى .

ومن هنا كانت العبادة فضلا مردودا على العابد ، وإعدادا له للتوفيق في مواجهة الموت وما بعده .

وإنه ليتعرض الإنسان أثناء حضور الموت لأمور أربعة شداد يرجو الله فيها التخفيف:

1-حالة النزع وهذه للجميع ، وفيهم أولياء الله وأحباؤه

ففي مسند الإمام أحمد بسنده، عن عائشة قالت: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قَدَحٌ فيه ماء ، فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ، ثم يقول: «اللهمّ أعِنّي على سَكَراتِ الموتِ» .

وجاء في صحيح البخاري بسنده عن عمرَ بن سعيدٍ قال: أخبرَني ابنُ أبي مُليكةَ أن أبا عمرو ذَكوانَ مولى عائشةَ أخبرَهُ «أن عائشةَ كانت تقول: إن من نِعم الله عليّ أن رسولَ صلى الله عليه وسلم تُوفّي في بيتي وفي يومي وبينَ سَحْري ونحري ، وأن اللّهَ جمعَ بينَ رِيقي وريقهِ عند مَوته. دخلَ عليّ عبد الرحمن وبيده السّواك ، وأنا مسنِدةٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته يَنظُرُ إليه، وعرفتُ أنه يحبّ السواكَ ، فقلت: آخذهُ لك ؟ فأشار برأسِهِ أنْ: نعم ، فَتناولتهُ فاشتدّ عليه ، وقلتُ أُليّنهُ لك ؟ فأشار برأسهِ أنْ نعم ، فليَّنته، وبينَ يَدَيه رَكوة ـ أو علبة يشكّ عمرُ ـ فيها ماءٌ ، فجعلَ يُدخِل يديهِ في الماء فيمسحَ بهما وجههَ يقول: لا إله إلا الله ، إن للموت سكراتٍ. ثم نصبَ يدَه فجعلَ يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قَبِضَ ومالت يده » .

2-مشاهدة ملك الموت وهذه حال يفترق فيها حال المؤمن من حال الكافر والعاصي:

يقول تعالى عن حال المؤمن: ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) 30 فصلت

ويقول تعالى عن الكفار والعصاة: ( فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ، ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ، والله عليم بالظالمين ) 95 البقرة .

( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ) 50 الأنفال

( فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ، ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ، وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ) 27-28 محمد

3-مشاهدة موضعه من الجنة أو موضعه من النار

ففي مسند الإمام أحمد بسنده عن نافع ، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « يُعرض على ابن آدم مقعدهُ من الجنة والنار غُدْوَةً وعشِيّةً في قبره» .

وفيه بسنده عن المقدام بن معدي كرب الكندي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للشهيد عند الله عزّ وجلّ: أن يغفر له في أوّل دفعة من دمه ويرى مقعده من الجنة ، ويحلى حلة الإيمان ، ويزوّج من الحوار العين ، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن من الفزع الأكبر ، ويضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه » .

وفي سنن النسائي الكبرى بسنده عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يُعْرَضُ عَلَى أَحَدِكُمْ إذَا مَاتَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ، فَإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النّارِ قِيلَ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » .

وفي صحيح البخاري بسنده عن أبي هريرةَ قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا يدخلُ أحدٌ الجنةَ إِلا أُريِ مَقعَدَهُ من النار لو أساءَ، ليزدادَ شكرًا، ولا يدخلُ النارَ أحد إلاّ أُرِيَ مَقعَدهُ من الجنةِ لو أَحسنَ، ليكونَ عليه حسرة» .

إن المؤمن إذا حضرته الوفاة عرضت عليه الجنة ، فإذا نظر إليها عرف أنه كان في السجن ففي صحيح مسلم بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: ( الدّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنّةُ الْكَافِرِ ) .

فما بالك بإنسان هو في مواجهة الموت لكنه يشعر شعور الانعتاق من السجن ؟

والكافر إذا حضرته الوفاة عرضت عليه النار ، فإذا نظر إليها عرف أنه كان في الجنة"الدنيا جنة الكافر"، فما بالك بإنسان هو في مواجهة الموت يشعر شعور المقتلع من جنة ليحرم منها إلى النارأبدا ؟

4 -إنه في موقف التحسب للقاء الله وما أشده جلالا

يقول تعالى ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) 6 الانشقاق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت