فهرس الكتاب

الصفحة 10502 من 27345

بقلم: الأستاذ خير رمضان يوسف

وردت في الشريعة قواعد ومبادئ عامة، تتضمن أحكامًا عامة يمكن بسهولة ويسر تطبيقها في كل مكان وزمان . وقد صيغت بكيفية تمكنها من سهولة هذا التطبيق ويسره . كما أن معناها الحق لايمكن أن يتخلف عن أي مستوى عال يبلغه أي مجتمع . ومن ثم يتسع لكل مصلحة حقيقية جديدة للناس . كما أن هذه القواعد والمبادئ تعتبر كالأساس لما يقوم عليها من أحكام جزئية ، ولما يتفرع عنها من فروع (1) . وهو مايثبت لنا إيجابية الأحكام الشرعية وتكييفها للمجتمعات مطلقًا .

ونذكر بعض هذه القواعد في إطار إعلامي:

أولًا: مبدأ الشورى:

وهو مبدأ ثابت وقاعدة كلية لاتتبدل ولاتتغير. وهذه القاعدة يجب العمل بها في كل زمان ومكان، ولكن وسائل تطبيق قاعدة الشورى متروك للزمن والحياة .. فتطبيق قاعدة الشورى في مجلس استشاري يضمّ النخبة من أهل الاختصاص والرأي، أو في مجلس انتخابي ينتخبه الشعب ، أو انتقاء مجالس وزارية من أهل الخبرة والمشورة ، أو انتخاب مجالس محلية لكل مقاطعة أو بلد .. فهذا كله متروك للأصلح من تجارب البشرية .

فمقصد الشريعة الأول تطبيق قاعدة الشورى، فليكن التطبيق بأية وسيلة كانت ، وبأية صورة أو هيئة ارتآها أهل الحل والعقد ، مادامت الدولة بمسؤولها الأول ، ووزرائها، ورجال الحكم فيها، تحقق قاعدة الشورى ، وتقوم على تنفيذ مبدأ ?وَأَمْرُهُمْ شُوْراى بَيْنَهُمْ? (2) .

وترجع أهمية الشورى إلى أنها تؤلف قلوب الجماعة ، وهي مسار العقول وسبب إلى الصواب ، والشورى هي الطريق الصحيح لمعرفة أصوب الآراء والوصول إلى الحقيقة وجلاء الأمر ، وهي أثر طبيعي لاحترام العقل ، كما أنها من مقتضي تكريم الله للإنسان ، وهي مظهر من مظاهر المساواة وحرية الرأي والنقد والاعتراف بشخصية الفرد . والشورى تربية للفرد على أداء وظيفته الاجتماعية عن طريق تهيئة الفرصة له لأن يبرز في المجتمع فيربي ملكاته وينمي قدراته حتى يكون أهلًا للمشورة ، وهذا يدعوه إلى الاستزادة من العلم والمعرفة ، وذلك أن انفراد شخص بالرأي في أمر عام يتعلق بالجميع ودون اعتبار للآخرين فيه ظلم وإجحاف ، وهو يتضمن نوعًا من تعظيم النفس واحتقار الرأي العام . والشورى سبيل لمعرفة الرأي الصائب عن طريق مناقشة الآراء وظهور أفضلها ، وهي سبب لقلة الخطأ ، وبها يستفاد من جهود الآخرين وخبراتهم ، وهي عصمة لولي الأمر من الإقدام على أمور تضرّ الأمة ولايشعر هو بضررها ، وهي تذكير للأمة بأنها صاحبة السلطان ، وتذكير لرئيس الدولة بأنه وكيل عنها في مباشرة السلطان (3) .

والإعلام في المجتمع الإسلامي، مسؤول عن إشاعة مناخ الشورى وروح الحوار البناء والمناقشة الإيجابية ، إسهامًا منه في الوصول إلى أحكم القرارات . وللجماعة المسلمة حق إلزام الفرد المسلم والجماعة لسلطان الشورى والإجماع ، فوسائل الإعلام في المجتمع الإسلامي الحديث تستطيع أن تربّي في المجتمع روح المشاورة ، وتصونها وتحميها وتغار عليها وتنتقد من يستخف بها أو يحيف عليها.

فمن واجب الإعلام تيسير عمل الشورى وسريانها في جميع شرايين المجتمع ومختلف أرجائه ، وعليه أن يتأكد من إجراء المناصحة وتبادل الآراء ، مع إفساح صفحات الجرائد والمجلات ، وبرامج الإذاعات المسموعة والمرئية ، ومنابر الجمعيات ، لكي يتسع مجال الحوار والمناقشة تحقيقًا لمبدأ الشورى .

فالإعلام الإسلامي بذلك يتيح الفرصة لإجتماع آراء المؤمنين وأفكارهم وتنقيحها وتصنيفها ، وبذاك يسمو الفكر وتترقى العقول وتتفاعل الآراء ، ويخف حجاب الغفلة ، وتشحذ الأذهان وتتحاور العقول ، وتتلاقح الآراء فتنضج ويتبين الصواب ، ويتضح سبيل الحق . والإعلام بذلك يشيع روح التعاون والتناصح والمحبة ، ويؤلف بين القلوب ، ويشعر الجميع بأن مصلحتهم واحدة، فتتنبه الأذهان للأفكار الصالحة ، والتصرفات الموافقة للشريعة ، مما يؤدي إلى إتخاذ أصوب الأفكار المبنية على أفضل الآراء وأحكمها ، وهكذا يتكون الرأي العام الإسلامي على أساس الشورى ومن خلالها .

وفي كل ذلك يتخذ الإعلام ضوابطه من قيم الإسلام الأصيلة وأساليبه الرفيعة وأهدافه السامية ووسائله الشريفة ، وكلها تصدر عن الدين وتذكّر بحقائقه ، وتؤكد ضرورة السعي لتحقيق مقاصده ، مع التصدي لأعداء الدين وردّ مكائدهم وإيضاح الحقائق لتصل إلى جميع الآذان البشرية في عرض شائق جذاب تتوافر له عناصر القوة والموضوعية والسداد ، مع حرص على الوضوح والعمق والإقناع والبعد عن الإملال ، وبذلك يتحقق مناخ الشورى المؤدي إلى سلامة الرأي وعمومة (4) .

ثانيًا: العدالية والمساواة:

وهذه أيضًا قاعدة كلية ومبدأ من مبادئ الإسلام يجب العمل به .. ووسائل تطبيقها متروكة لتغير الأزمان والأحوال ، إذ المهم هو تطبيقها بأية صورة يراها مجلس الشورى أو أهل الحل والعقد استلهامًا من أحكام الإسلام. قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت