فهرس الكتاب

الصفحة 4174 من 27345

(النموذج السوري)

محمد علي شاهين

عندما يكون الإيمان بالإسلام طريق خلاص وسبيل إنقاذ، ويكون النضال من أجل التحرير هو جوهر النضال من أجل الإسهام والتبشير بمجد الإسلام وسيادته في أمة مهزومة مقهورة، ويكون التصدي للغزو الثقافي والفساد السياسي والتضليل القومي مهمة شاقة وعسيرة، تبرز أهمية الريادة الفكرية لنجباء الحركة الإسلامية من خلال الإبداعات القلمية الراقية، والعطاء المتجدد القادر على الابتكار، والتعبير الصادق الأمين عن ضمير الأمة بصراحة وجرأة، والتنبيه إلى الأخطار التي تتهدد الأمة في حاضرها ومستقبلها، والسعي الدؤوب لإعادة صياغة الشخصية الإسلامية التي تستعصي على الاستعمار والاستغلال والقدرة على تقديم البدائل بلغة العصر.

وتبدو صورة هذه الحركة الرائدة اليوم أكثر جلالًا وجمالًا لأنها حركة مثقفين، تنوعت ملكاتهم الأدبية فكان لهم أدب رصين مهذب، وشعر قوي معبر، ومقالة نقدية مستوعبة قضايا التطور، وظهر منهم رجال كان لهم منطق أخاذ مهيب، مهدوا بفكرهم الإصلاحي لعالم جديد تسوده العدالة، وفجروا كفاح أمة لا تنقطع ثورتها، ووقفوا وقفة عز في خنادق المستضعفين ضد قوى الظلام، وكسوا بساحر لمساتهم الهياكل القديمة حلة البهاء وزادوها تألقًا.

ولطالما أحبت جماهيرهم المتعطشة إلى المعرفة، الكلمة الصادقة، وعشقت الخطابة النقدية للأوضاع السياسية والاقتصادية، والدعوة لوحدة العالم الإسلامي في ظل الخلافة، وتحرير الأمة.

وتعلمت الإنصات للترتيل في محاريبهم، فقد استوعبت هذه التجربة، وحملت روادها لقيادة الشارع الإسلامي، وتحدي الخصوم.

المزاوجة بين مدرستين

ولقد اتسعت ميادين العطاء الفكري التي صالوا فيها وجالوا، وتعمقت جذور الشجرة الطيبة التي غرسها الإمام البنا بيده المباركة خلال العقود الستة الماضية وفاح عطرها وأينع ثمرها، وطبعوها بلون متميز، زاوج بين مدرستين فنيتين عريقتين، كان لكل منهما في أدبنا العربي الأصيل وتراثنا الإسلامي نكهة خاصة، رغم تناقض تينك المدرستين إلى درجة الصراع بعد رفض التحكيم.

أخذوا من الخوارج صراحتهم في الحق والجرأة في مواجهة الخصوم وتحدي الأعداء والثقة بالنصر، والاطمئنان إلى عدل الله، ونوال الجنان والتضحية من أجل المبادئ وحب الاستشهاد، وأخذوا من الشيعة ذكر الأحزان والفواجع والبكاء على الشهداء الذين يعلقون على المشانق ويقتلون في الزنزانات ويعذبون داخل الأقبية والمعتقلات، ولابد للدارس المتعمق لهذه الظاهرة الفريدة من إسقاط دائرة الضوء على إحدى الساحات القطرية في عالمنا الإسلامي، فيختار الساحة السورية كمثال، وهي الساحة التي فاض كأسها بالعطاء، ويترجم في هذه العجالة باختصار لبعض الأعلام على كثرتهم وتنوع أساليبهم وغزارة إنتاجهم وانتشار مؤلفاتهم.

كان الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله تعالى - رمزًا متألقًا من رموز الحركة الإسلامية، فقد عالج في وقت مبكر المشكلات الاجتماعية والسياسية، ودعا إلى مناهضة الاستبداد السياسي ومجابهة الاستعمار، وتأييد القضايا الإسلامية في العالم متأثرًا بالإمام البنا، ومتتلمذًا عليه وعلى خاله الشيخ محب الدين الخطيب، صاحب المطبعة السلفية، وهو أول من كتب مسرحية إسلامية (مسرحية أبي جهل) ويدل على سعة علمه وغزارة إنتاجه، فقد بلغت مؤلفاته أكثر من ثلاثين كتابًا، كتب في التراجم (رجال من التاريخ) وفي الرحلات (بلاد العرب) وفي القصة (قصص من الحياة) وفي الدعوة (تعريف عام بدين الإسلام) وفي النقد (في التحليل الأدبي) .

قادة ومفكرون

أما الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله الذي تقلد مناصب رفيعة في قيادة الإخوان فقد كان رجلًا متميزًا بالعطاء، وكان إلى جانب هذا مفكرًا من الطراز الأول وخطيبًا مفوهًا، وشاعرًا مقلًا، أيقظت روحه دعوة الإمام البنا في وقت مبكر أيضًا، فكان ثائرًا على الاستعمار الفرنسي قائدًا لكتائب الجهاد في فلسطين، مشاركًا في الحياة السياسية السورية والفكرية، ألف رحمه الله أكثر من خمسة وعشرين كتابًا منها: (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) و (المرأة بين الفقه والقانون) و (الأحوال الشخصية) و (أخلاقنا الاجتماعية) و (الاستشراق والمستشرقون) و (من روائع حضارتنا) و (المرونة والتطور في التشريع الإسلامي) .

وتفوق الأستاذ عصام العطار المراقب العام الثاني للجماعة وخليفة السباعي في قيادة الحركة الإسلامية السورية في فن الخطابة حتى عد من خطباء دمشق البلغاء، وكانت خطبة الجمعة في مسجد جامعة دمشق، في الستينات أشبه بخطبة الجمعة في جامعة طهران بعد الثورة الإسلامية، وكانت له في صحيفتي اللواء والشهاب أعمدة دائمة ومقالات وتصريحات، تناولت شؤون السياسة والحكم.

أما عن فنون التحقيق والنشر فقد كانت لهم بها قدم راسخة ومعرفة واسعة وإنجازات علمية راقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت