فهرس الكتاب

الصفحة 15972 من 27345

إعداد: د.عبد الرحمن الجرعي 3/7/1424

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده . وبعد:

فهذه كلمات فيها محاولة لفهم أسرار النفس الإنسانية ، وتلمح مواطن الجمال والكمال فيها ، ونبرأ إلى الله من أن نعيّر أحدًا بعيبه أو أن نشهَّر بأحد ففي المتحدث من العيوب مايكفيه ، والباعث هو طلب الكمال البشري وعليا المناقب ، مع إحساسنا وإدراكنا بأن الدعاة هم من أكمل الناس خلقًا وذوقًا ، يعرف ذلك من خالط دهماء الناس وعامتهم ، ولكنه تطلب الأرقى من الذوق والمراتب السامية ،ولاشك أن التحلي بهذه الذوقيات ، والبعد عما يشين من السلوكيات ،مما يزيد في جمال سلوك المسلم ، ويعززمحاسنه ، ويحبب شخصيته ، ويدنيه من القلوب والنفوس. فيكون كريما على حد قول الشاعر:

إن الكريم لكالربيـ ... ...

ـع تحبه للحسن فيه

وإذا تحرق حاسدوه ... ...

بكى ورق لحاسديه

كالورد ينفح بالشذى ... ...

حتى أنوف السارقيه

معنى الذوق في اللغة:هو إدراك طعم الشيء بواسطة الرطوبة المنبثقة بالعصب المفروش على عضل اللسان ، يقال: ذقت الطعام ، أذوقه ذوقا، وذوقانا ومذاقا، إذا عرفته بتلك الواسطة ، وتعدى إلى ثان بالهمزة ، فيقال:أذقت الطعام وذقت الشيء:جربته، ومن يقال: ذاق فلان الباس:إذا عرفه بنزوله بعده" (1) ."

وانتقلت كلمة الذوق من موضعها الأصلي الذي قيلت فيه إلى مواضع عدة استعيرت لها، وصار الذوق يستعمل في الإحساس العام الذي تشترك فيه قوى الحس من سمع وبصر ولمس وشم ، وصار الذوق تعبيرا عن الإحساس بالألم والحزن ، أو الفرح والهناء ، أو الجوع والخوف ، وما إلى ذلك (2) .

أهمية الأدب والذوق:قال القرافي في كتابه (الفروق) (3/96،4/272) "واعلم أن قليل الأدب ، خير من كثير من العمل ، ولذلك قال رُويم - العالم الصالح -لابنه: يابني اجعل عملك ملحا ، وأدبك دقيقًا. أي استكثر من الأدب حتى تكون نسبته في الكثرة نسبة الدقيق إلى الملح ، في العجين"

أسباب ضعف الذوق (3) : (أ) غياب التربية الصحيحة عن كثير من أبناء الإسلام ، بسبب غياب دور الأب والأم ، ووجود المجتمع المفكك ، ربما كان الفرد في السابق يستحيي من كثير من النقائص ،وقد ضمر هذا المعنى الآن، وإنكار عامة الناس سابقا أقوى منه في هذه الأيام.

(ب) غياب القدوة الحسنة ، فسمت العالم وهديه له أثر عظيم على الأتباع"قال الذهبي"كان يجتمع في مجلس أحمد زهاء خمسة آلاف أويزيدون ، نحو خمس مئة يكتبون ، والباقون يتعلّمون منه حسن الأدب والسمت" (4) ."

(ج) ضعف المؤسسات التعليمية والثقافية وسلبيتها:أهلية كانت هذه المؤسسات أو رسمية،كالمدارس، ووسائل الإعلام،بل تقدم وسائل الإعلام أحيانا،رسائل ضارة بالدين والخلق.

(د) ضعف التناصح بهذا الأمر ،وضعف الاهتمامة به رغم أهميته،بل ربما عد الكلام في مثل هذا الأمر ضرب من الترف ،أو الليونة التي لايسمح بها وقت الدعاة.

تهذيب الطبائع:يزعم البعض أن أخلاق الإنسان فطرية فقط . وهذا ادعاء يرده الواقع من وجوه منها:

(أ) أن الأخلاق لو كانت الأخلاق لاتقبل التغيير لم يكن للمواعظ والوصايا معنى ولم يكن للتهذيب والتربية والأمر بهما فائدة

(ب) ولو لم يكن للتهذيب والتربية أثر لما كان للحدود والزواجر الشرعية عن اقتراف الآثام معنى.

(ج) كما أن الواقع المشاهد يدل على فائدة هذا التهذيب وإمكانه في الحيوان فضلا عن الإنسان فالصيد الوحشي يستأنس ويعلم الكلب عادات ، وتدرب الفرس (5) .

-الأمر بالخلق - النهي عن سوء الخلق - وتميز الشخصية المسلمة بذلك:

انظر لكمال الأدب والذوق في قول أنس رضي الله عنه"خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط ، وما قال لشيء صنعته لم صنعته ؟ ولالشيء تركته لم تركته ؟ وكان رسول الله صلى الله عليه من أحسن الناس خلقًا ، ولامسست خزًا ولا حريرًا ، ولاشيئًا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولاشممت مسكًا قط ، ولاعطرًا كان أطيب من عرق النبي صلى الله عليه وسلم (6) تأمل يارعاك الله هذه المدة الطويلة- عشر سنين- استمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم على ذات الخلق الرفيع ، رغم أنه لايخشى من خادمه شيئا ، ولايتوقع عتبه عليه، لكنها أخلاق النبوة ، ولعلك تقارن هذا بما ترى عليه حال المسلمين اليوم في معاملة خدمهم ، بل في معاملة من يحتك بهم-من إخوانهم- ممن ليسوا خدما، بل هم زملاء وجيران ، والله المستعان."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت