محمد الفقيه (*) 22/2/1425
لا يخفى على المتأمل في حال الأمة ما آلت إليه في زماننا من ضعفٍ وتمزق وانحسار وتكالب الأعداء وبعدٍ عن الدين، فبعد أنْ كانت الأمة في الصدارة ولها الريادة في كل شيء أصبحت في مؤخرة الأمم وتابعة في كل شيء؛ فالمنكرات منتشرة ونبذ الشريعة في أكثر بلاد المسلمين واضح، وتقليد الكفار متغلغلٌ على كافة الأصعدة..؛ فالأمة أصبحت مستهلكةً من الدرجة الأولى؛ ليس على مستوى الصناعات فقط؛ بل على مستوى الأفكار والعادات، وصار كثيرٌ من المسلمين همّه تحصيل الشهوة وجمع المال بأي طريق، وأما قضية (الحلال والحرام) فتأتي في الدرجة الأخيرة من تفكيره، وأصبح لا يُميِّز أكثر المجتمعات الإسلامية إلا المساجد وبعض الشعائر الدينية.
وهنا هبَّ المصلحون من العلماء والدعاة لمحاولة إصلاحها والنهوض بها وإعادتها إلى سابق مجدها، وقد حصل اختلاف في مناهج الإصلاح مع اتفاقٍ في الهدف، كلٌ يرى أنَّ منهجه هو أفضل طريقٍ لإصلاح الأمة، ولعلَّ أبرز هذه المناهج منهجان:
الأول: يهتمُّ ببيان الحكم الشرعي في المنكرات الحادثة، ويستصدر فيها الفتاوى، وينتهي دوره عند هذا !!
والثاني: يهتمُّ بإيجاد البدائل والحلول للمشاكل وللمنكرات المستشرية في الأمة.
ويرى أصحاب المنهج الأول أن مهمة العالم هي بيان حكم الله تعالى وتبليغه للناس مع نصحهم وإرشادهم وترغيبهم في الخير وتحذيرهم من الشر، وأن هذا هو منهج العلماء سلفًا وخلفًا؛ فليس من مهمة العالم إيجاد البديل لكل منكرٍ حادث، إضافةً إلى أن كثيرًا من البدائل الشرعية القائمة لا تخلو من بعض التنازلات وتقديم الدين في غير صورته النقية التي بها أُنزل على الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
أما أصحاب المنهج الثاني؛ فيرون أنَّ هذا العصر؛ عصرٌ معقدٌ ومليء
بالمنكرات والملهيات؛ فالمنكرات لم تعد بتلك الصورة البدائية والمحدودة في العصور السابقة، بل أصبحت معقدة ومنتشرة، وتديرها مؤسسات ضخمة تبذل لها من الدعاية والإغراء وتنويع اللذة ما يجعل الإنسان يقع فيها مرةً بعد أخرى، فلا يكفي أن تقول للناس: (هذا حرام) ، و (ذاك منكر) ثم نتركهم فريسة لهذه المنكرات تنهش دينهم كما نهشت أموالهم وعقولهم، فلوا استقرأنا تجربة الوقوف عند (إصدار الفتوى المحذِّرة من المنكرات) لوجدنا أن أثرها محدود جدًا، وأوضح مثالٍ على هذا: (منكرات الإعلام) ، فعندما اخْتُرِعَ المذياع وبدأ ينتشر في العالم الإسلامي، وكان يحتوي على بعض المنكرات، هبَّ كثيرٌ من العلماء للتحذير منه، وأصدروا فيه الفتاوى، وما زاده ذلك إلا انتشارًا !! ثمَّ جاء (التلفزيون) بمنكراته الكثيرة، فهبَّ كذلك العلماء للتحذير منه ومن خطره وأصدروا فيه
الفتاوى الكثيرة، وفي غمرة التحذير منه نسي الناس أمر المذياع، وأصبح من مميزات الأتقياء اقتصارهم على المذياع، ومع ذلك لم تؤثر الفتاوى كذلك في ردع الناس عن التلفزيون، ثم جاء (الفيديو) ... ثم (الفضائيات) وما تحمله من البلايا، ثم (الإنترنت) وهو بحرٌ لا ساحل له، وكلما جاءت فتنة أصبحت التي قبلها أهون منها، لا يحذَّر أحد منها، ونسي الناس ما قيل فيها من فتاوى محرِّمةٍ ومحذرة.
لكن عندما حاول بعض العلماء والدعاة من الاستفادة من هذه الأدوات الإعلامية في سيبل نشر دين الله وإصلاح الأمة، كان لذلك ثمرةٌ عظيمة لا يستطيع أحدٌ إنكارها، وقل مثل ذلك في البدائل والحلول الشرعية في المعاملات المالية المحرمة؛ فقد كانت تجربة البنوك الإسلامية رائدة حيث وَظَّفتْ كثيرًا من الأموال التي أمتنع أصحابها من الدخول بها في البنوك خوفًا من الربا أو غيره من المعاملات المحرمة، وحصلت على ثقة كثير من المستثمرين، بل أدهشت هذه التجربة خبراء المال والاقتصاد.
وأودُّ بعد استعراض منهج الفريقين وحججهم أنْ أنبِّه إلى بعض النقاط:
1-أن صلاح الأمة ومصدر عزِّها وسؤددها لا يتم إلا بأن تتمسك بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
2-أن الأمة في أشد الحاجة إلى تكاتف الجهود في العمل الدعوي، ومحتاجةٌ إلى التقارب بدلًا من التضارب، وإذا نظرنا في المنهجين، لا نجد بينهما تعارضًا حقيقيًا، بل نستطيع أن نجمع بين المنهجين ونحقق من اجتماعهما ما ترجوه الأمة.
3-القول بأن الفتاوى المحرِّمة للمنكرات والمواعظ المحذرة منها ليس لها أثر كبير في إزالة تلك المنكرات قولٌ خاطئ؛ بل لها أثرٌ عظيم، فالناس لا يُميِّزون بين المنكرات وغيرها إلاَّ بفتاوى العلماء، وينبغي المحافظة على قيمة فتوى العالم بين الناس؛ فإن لها من الأثر على قلوب الناس وعقولهم وأعمالهم ما لا ينكره إلا جاهل.