التاريخ: 19/07/1427
تقييم:
د/ زغلول النجار
في مطلع الحديث عن كتاب الله لابد من تحديد عدد من معالمه الثابتة التي منها أنه كلام الله المعجز , الموحي به إلي خاتم الأنبياء والمرسلين بلسان عربي مبين , والمنقول عنه صلوات الله وسلامه عليه نقلًا متواترًا بلا أدني شبهة , بنفس النص الذي نجده في المصاحف التي خطت أو طبعت علي مر العصور , ومسجلا في صدور الحفاظ جيلا بعد جيل , ومن ثم علي مختلف صور الأشرطة والاسطوانات الممغنطة , والذي نزلت آياته منجمة علي مدي ثلاث وعشرين سنة , وكتبت في حياة رسول الله صلي الله عليه وسلم عقب الوحي بكل مجموعة منها مباشرة ثم رتبت تلك الآيات في مائة وأربع عشرة114 سورة بتوقيف من الله سبحانه وتعالي الذي تعهد بحفظ آخر كتبه المنزلة فحفظه حفظا كاملا , بنفس اللغة التي نزل بها , كلمة كلمة , وحرفا حرفا .
بينما تعرضت الكتب السماوية السابقة كلها إما للضياع التام , أو للتحريف والتبديل والتغيير , ولذلك فالقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يتعبد بتلاوته , والذي لاتصلح الصلاة الا بقراءة فاتحته وعدد من آياته , والذي لايغني عنه من الاحاديث أو الأذكار أو الأدعية شيء , لانه الوحي السماوي الوحيد الموجود بين أيدي الناس اليوم محفوظا بحفظ الله كلمة كلمة وحرفا حرفا بنفس اللغة التي أوحي بها وقدتحدي ربنا تبارك وتعالي كلا من الإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن مجتمعين متظاهرين فقال عز من قائل: ? قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ? الإسراء:88]
كما سخر ربنا تبارك وتعالي ممن ادعي من المشركين أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد افتراه , وهو النبي الأمي الذي لايعرف القراءة أو الكتابة لحكمة يعلمها الله , فقد تحدي الله تعالي العرب علي ما كانوا عليه من علم بأسرار العربية وأسباب البلاغة ـ أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات , أو حتي بسورة من مثله , ولايزال هذا التحدي قائما دون أن يستطيع بشر مجابهته علي الرغم من مضي أكثر من أربعة عشر قرنا علي مجئ التنزيل بقول الله تعالي: ? أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ? ? فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ? [ هود:13 ، 14]
ويقول الحق تبارك وتعالي: ? وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ? [ البقرة:23] .
وقد عجزت القدرات البشرية , ولا تزال عاجزة عن أن تداني كتاب الله في روعة بيانه , أو في كمال صفاته , ودقة دلالاته , وصدق أنبائه , وسمو معانيه , وعدالة تشريعه , أو في نهجه وصياغته , وتمام أحاطته بطبائع النفس البشرية , وقدرته علي التعامل معها وهدايتها , ودقة استعراضه لمسيرة البشرية من لدن أبينا آدم - عليه السلام - إلي بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين -عليه وعليهم أجمعين أفضل الصلاة وأزكي التسليم - ومن هنا كان القول « بإعجاز القرآن »
أوجه الإعجاز في القرآن الكريم
تتعدد أوجه الإعجاز في كتاب الله بتعدد جوانب النظر فيه , فكل آية من آياته فيها إعجاز لفظي وبياني ودلالي , وكل مجموعة من الآيات , وكل سورة من السور طالت أم قصرت , بما فيها من قواعد عقدية , أو أوامر تعبدية , أو قيم أخلاقية , أو ضوابط سلوكية , أو إشارات علمية , إلي شيء من أشياء هذا الكون الفسيح ومافيه من ظواهر وكائنات , وكل تشريع , وكل قصة , وكل واقعة تاريخية , وكل وسيلة تربوية , وكل نبوءة مستقبلية , كل ذلك يفيض بجلال الربوبية , ويتميز عن كل صياغة انسانية ويشهد للقرآن بالتفرد كما يشهد بعجز الإنسان عن أن يأتي بشيء من مثله . وقد أفاض المتحدثون عن أوجه الإعجاز في كتاب الله , وكان منهم من رأي ذلك في جمال بيانه , ودقة نظمه , وكمال بلاغته , أو في روعة معانيه وشمولها واتساقها ودقة صياغتها , وقدرتها علي مخاطبة الناس علي اختلاف مداركهم وأزمانهم , واشعاعها بجلال الربوبية في كل آية من آياته .