الأستاذ أنور الجندي
يهدد الفكر الإسلامي خطران مزدوجان هما خطر إحياء التراث الإسلامي على ذلك النحو الذي تزيفه قوى التغريب والغزو الثقافي وتشارك فيه مفاهيم الفكر المادي والوثني والإباحي لتخرجه من مفاهيمه وأصوله أو تحجب أصالته وتذهب بضوئه الناصع ونوره الساطع.
وتلك الخطة المسمومة التي قامت عليها الترجمة من الآداب الأجنبية والفكر الغربي قد نقلت إلى آفاق الفكر الإسلامي واللغة العربية حصيلة ضخمة من الترجمات القصصية المكشوفة والمفاهيم المادية الملحدة ولذلك فقد حق على كل باحث مسلم أن يواجه هذين التيارين مواجهة صحيحة ليكشف عن أخطارهما ومحاذيرهما.
التراث الإسلامي
إن محاولة احتواء التراث الإسلامي تجرى في ثلاثة ميادين:
في نوعية بعثه.
في طريقة إحيائه.
في أسلوب تفسيره.
فهي لا تترك حركة إحياء التراث على وجهها الصحيح ولكنها ترفض انبعاث جوانب معينة منه، ليست هي بالطبع أجودها، ولكنها أشدها سوءًا، إن محاولات الانبعاث التي يقوم بها (التغريب والغزو الثقافي) يستهدف انبعاث تراث الفلسفات والفكر الباطني والوثني والمذاهب المنحرفة والمتحللة وخاصة ما يتعلق بالشعر الإباحي والفكر الفلسفي الصوفي وتتجاهل عامدة مختلف الجوانب الأصيلة. كذلك فهي تحاول إحياءه بإعادة كتابته على نحو يغاير تمام المغايرة ما استهدفه أصحابه أولًا وما هو في حقيقته وذلك باستخدام أسلوب الاتكاء على بعض النصوص واستخدامها استخدامًا خاصًا لكي تحقق شيئًا ليس هو في الحقيقة واقع الأمر، كما تغضي إغضاء شديدًا عن جوانب هامة لأنها لا تتفق مع الوجهة التي يقصد إليها المتطلعون إلى الأحياء.
(ويبدو ذلك واضحًا في كتابات طه حسين للفتنة الكبرى)
أما أسلوب تفسير التراث فإن هناك محاولات لإخضاعه لغير مذهب من المذاهب المطروحة في أفق البحث العلمي وكلها غريبة عنه، ومنها المنهج المادي والمنهج الاقتصادي والمنهج الماركسي والصهيوني. وكلها مذاهب تقف من تاريخ الإسلام ومن تراثه موقف خصومه، وتهدف إلى تزييفه والإدالة منه (تفسيرات عبد الرحمن الشرقاوي وأحمد عباس صالح ومحمد عمارة) .
كان الغرب يعرف عظمة هذا التراث ويعرف الآثار البعيدة التي تقدمه لهذه الأمة إذا ما تحقق إحياؤه على الوجه الصحيح وعرف المسلمون ما هي الجوانب التي تبعث، لقد شارك التراث في مختلف ميادين الأدب والفقه والعلوم التجريبية والكلام والفلسفات والتربية والاقتصاد والاجتماع والسياسة.
ولأن الغرب استطاع أن يسيطر على هذا التراث وأن ينقل ذخائره إلى مكتبات الغرب فلقد استطاع أن يقول أن المسلمين ليس لهم منهج في العلوم وكذلك استطاع الغرب أن يحيي تراث الإباحيين من الشعراء والمنحرفين من رجال التصوف والغلاة من الفلاسفة والباطنيين بينما لم يكن هذا هو التراث الذي ينشده المسلمون ليدفعهم إلى الأمام.
وهناك تلك المحاولة التي يرمي بها الغرب إلى إحياء تراث الوثنية اليونانية والجاهلية العربية والمجوسية الفارسية والأساطير والخرافات، ومع هذه المحاولى ينكر التغريبيون تراث الإسلام الذي هو أقرب زمنًا وأكثر أصالة وأصدق استجابة للنفس الإسلامية وللفطرة الإنسانية.
وإذا تحدثوا عن التراث قالوا قولتهم الظالمة إن الأموات يتحكمون في الأحياء غير مفرقين بين تراث الميراث القائم بالحق: والقرآن والسنة، وبين عمل البشر الذي جاء تفسيرًا لهذين النيرين.
وما كان المسلمون يومًا عبيدًا لتراثهم ولكنهم كانوا يستهدفون به ويأخذون هذه التفرقة بين الميراث الرباني وبين التراث الذي صنعه البشر من حيث أن تراثهم كله بشري، ولكنا نحن المسلمين نفرق بين التراث والميراث أما الميراث الذي قدمته لنا رسالة السماء بالوحي وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو ليس موضع بحث، وأنما هو الأساس المكين والمنابع الأصيلة والقيم الأساسية للكيان الإسلامي في وجوده كله، ويجيء التراث الذي كتبه علماء المسلمين كاشفًا ومفسرًا وموضحًا لذلك الميراث ؤفي مواجهة تغيرات العصور واختلاف البيئات فهو ضوء كاشف نأخذ منه ونترك، فضلًا عن أن هذا التراث قد دخلته دخائل كثيرة نتيجة ما كتبه الزنادقة والملاحدة وأصحاب الأهواء ودعاة الفرق، فهذا نحن ننظر فيه في ضوء الميراث الأصيل فإن وافقه قبلناه وإن عارضه نبذناه ولدينا في هذا الميراث والتراث كل خصائص أمتنا وحاجاتنا في مجال التشريع والسياسة والاجتماع والتربية، فلسنا في حاجة إلى المناهج الوافدة لتقدم لنا في منهج الحياة ونظام المجتمع شيئًا، ذلك أن خلافًا عميقًا واقعًا في الأساس بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي من ناحية العقائد والأخلاق والقيم والمفاهيم الإنسانية والبشرية، ونحن في هذا نؤمن بما جاء به كتاب الله: {يريد الله أن يبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم} .