فهرس الكتاب

الصفحة 18474 من 27345

عمر أبو ريشة

"زار الشاعر بلده الحبيب سورية، بعد اغتراب مديد، وكان يحسب أنه سوف يلقى الاحتفاء به والتكريم له، فغادر سورية بلده الحبيب، ونظم هذه القصيدة الرائعة، وأوصى ألا تُنْشر إلا بعد وفاته."

ألفيتُ منزلَها بوجهي موصدا ما كان أقربه إليَّ وأبعدا

كلَّت يداي على الرتاج، وعربدتْ في سمعِيَ المشدوهِ قهقهة الصدى

ما كنتُ أحسبُ أن أطوفَ به على غصص النوى وأعودَ عنه مُجهدا

فكم اختزلتُ حدودَ دنيانا على أعتابه وكم اختصرتُ به المدى

ما بالها تصغي؟ -وأحلف إِنها تصغي- وتأبى أن تردَّ على النّدا؟

أَخَبَتْ نجومي في مدار لحاظها؟ فتساوت الدنيا لديها مورِدا ؟

ليست بأول بدعة أوجدتُها وأضعتُها عبر الضلالة والهدى

وحملتها ذكرى ولم أُرْخِصْ لها عهدًا ، أَأَشقى عهدُها أم أسعدا؟

الذكرياتُ .. قطافُ ما غرستْ يدي كَفِلَ الحنينُ بقاءَها وتعهَّدا

هي كل زادي هوَّنَتْ صعبَ السَّرى ورمتْ على قدميّ غطرسةَ الردى

كم نعمةٍ شَمخَتْ عليَّ فهِجتُها وشربْتُ نزفَ جراحها مُسْتَبْرِدا

وكم استخفَّ بيَ الهوى فصلبتُه وركعتُ تحت صليبه متعبِّدا

وتقاتلتْ فيَّ الظنونُ وطابَ لي في حالتيها أن أُذَمَّ وأُحمَدا

جئتُ الحياةَ فما رأتنيَ زاهدًا في خوض غمرتها.. ولا مترددا

إني فرضتُ على الليالي ملعبي وأبيتُ أن أمشي عليه مُقيَّدا

يا غربتي .. كم ليلةٍ قطّعْتُها نِضْوَ الهموم على يديك مُسَهَّدا

أطمعتِني في كل حلم مترف وضربتِ لي في كل أفق موعِدا

فوقفتُ أقتبلُ الرياحَ وما درتْ من كان منا العاصفَ المتمردا

ومضيتُ .. أنتعلُ الغمام وربما أشفقتُ خدَّ النجم أن يتجعدا

وأطلتُ في التّيه المُشِتِّ تنقُّلي وحملتُ ما أبلاه فيَّ وجدَّدا

ورجعت أستسقي السراب لسروة نسيتْ لياليها حكايات الندى

فكأنما المجد الذي خلدتُه لم يكفني فأردتُ مجدًا أخلدا

ما أكرم الوتر الذي أسكتُّهُ لأجُرَّ أنفاسي عليه تنهُّدا

كم سلسلت فيه الشموخَ أناملي ورمتْ به سمعَ الزمان فردَّدا

خلع الفتونَ على الشجون وصانها من أن تهون ترجُّعًا وتوجُّدا

أهفو إليه وما يزال غبارُه متجمعًا في صدره متلبدا

أفديه بالباقي من السلوى إذا أرجعتُه ذاك اليتيمَ المفردا

يا غربتي أشجاكِ طول تلفُّتي صوب الديار تهالكًا وتجلدا

أتَعِبتِ من نظري إليكِ معاتبًا ؟ ومللتِ من صخبي عليكِ مندِّدا؟

ذاك التجنِّي لم تطيقي حمله مني، ولم تتوقعي أن ينفدا

أطلقتِني .. وتبعتِني.. وأريتِني ملءَ الدروب خيالكِ المتوددا

أنا عند ظنكِ سادر في موطني أزجي خطايَ على ثراهُ مشرَّدا

وأغضُّ من طرفي حياءً كلما عدَّدْتُ أعراسي عليه، وعدَّدَا

أيامَ تستبق الرجالُ نداءه وأشقُّ موكبَهم فتيِّيًا أمردا

وبناتُ كلِّ عجيبةٍ ، مجلوةٌ رصدًا على هضباته متوعدا

كم علَّمَتْنِي أن تدوسَ جباهَهَا قدمي ، وكم علمتها أن تحقدا

لعبتْ ببرد صبايَ بين جراحه فالتفَّ حول ثخينِهِنَّ ، وضمَّدا

تأبى البنوَّةُ أن أقول وهبتُه وتركت كل هبات غيري حُسَّدا

أَأَمُرُّ منه وصاحبايَ كهولتي والعنفوانُ ، ولا يمدُّ لنا يدا ؟

أنا ما شكوت على اللقاء صدودَه عني، متى صدَّ الكريمُ تعمُّدا ؟

تلك الذوائبُ من لِدَاتي دونه رمحٌ تكسَّرَ أو حسامٌ أُغمِدا

أخذتْ بناصيتيه أيدي عصبةٍ كانت على سود الليالي هجَّدا

جاز الزمانُ بها حدود مجونه فأقام منها كلَّ عبدٍ سيدا

تشقى العلى إن قيلَ كانت جندَها ما كان للجبناءِ أن تتجنَّدا

نظرتْ إلى شرف الجهاد فراعَها فسعتْ إلى تعهيره، فاستشهدا

من كلِّ منْفضِّ السبيل ِ، لقيطِهِ شاءت به الأحقادُ أن تتجسَّدا

عقد الجفونَ بذيل كل سماوةٍ وأراد ملعبَها كسيحًا مقعدا

العاجزُ المقهورُ أقتَلُ حيلةً وأذلُّ منطلَقًا ، وأنذلُ مقصِدا

نشر الخسيس من السلاح أمامه واختار منه أخسَّه ، وتقلَّدا

وحبا إلى حرم الرجال، ولم يذُقْ من قُدسِ خمرتهم ولكنْ عربدا

وافتَنَّ في تزييف ما هتفوا به وارتدَّ بالقِيَمِ الغوالي مُنْشِدا

البغيُ أروع ما يكون مظفرًا إن سُلَّ باسم المكرمات مهنَّدا

لا يخدعنِّكَ دمعُه وانظر إلى ما سال فوق أكفه ، وتجمَّدا

لم تشربِ الحُمَّى دماءَ صريعِها إلا وتكسو وجنتيه تورُّدا

وأزاحت الأيام عنه نقابه فأطلَّ مسْخًا بالضلال مزوِّدا

ترك الحصون إلى العدى متعثرًا بفراره، وأتى الحِمَـ مُسْتأسِدا

سكِّينه في شدقه ولعابُه يجري على ذكر الفريسة مُزبدا

ما كان هولاكو ، ولا أشباهه بأضلَّ أفئدةً و أقسى أكبُدا

هذي حماة عروسةُ الوادي على كِبْر الحداد، تُجيل طرفًا أرمدا

هذا صلاح الدين يخفي جرحه عنها، ويسأل: كيف جُرْحُ أبي الفدا

سرواتْ دنيا الفتح هانتْ عنده وأصاب منها ما أقام وأقعدا

ما عفَّ عن قذف المعابد باللظى فتناثرت رِممًا، وأجَّتْ موقدا

كم سُجَّدٍ فاجأهم، وما كانوا لغير الله يومًا سُجّدا

عرَفَتْهمُ الجُلَّى أَهِلَّة غارة وغزاةَ ميدانٍ ، وسادة منتدى

يا شامُ.. ما كذب العِيانُ، وربما شهق الخيالُ أمامه ، وترددا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت