فهرس الكتاب

الصفحة 18473 من 27345

وتدور الأيام ويعود الإسلام غريبًا وتصاغ الشبهات العظام ويتولى كبرها أهل الملل والأديان ومن افتتن بهم من أبناء المسلمين اللذين شكلوا طابورًا خامسًا يفتتون في عضد الأمة ويصطادون في الماء العكر، ورمي من التزم بالسنة بالإرهاب، وأعيد صياغة"عبادة رب محمد سنة على أن يعبد محمد الأصنام سنة"في قالب التسامح والتعايش ودين إبراهيم وحوار الأديان وطمس الكراهية ضد الأديان، ومحو مفهوم الولاء والبراء والجهاد، والتهكم بسنن المصطفي - عليه السلام - وإخراج المرأة من نور العباءة السوداء إلى ظلمة حضارة الرجل الأبيض!

من يعصهم أكثر ممن يطيعهم:

وهذا واضح في المجتمع المكي حتى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - انتابه شيء من اليأس فكان الله دائمًا يسليه في غربته"فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا" (الكهف:6) ،"وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ" (الأنعام:35) .

أما في غربتنا فهو واضح أيضًا، فإن علماء السنة اللذين يعرفون الحق ويرحمون الخلق لا يسمع لنصائحهم ولا يستجاب لمبادراتهم، ويطرق جميع الأبواب للمشورة إلا بابهم، وهل نقموا منهم إلا أنهم سلكوا سبيل السلف في نصح الأمة؟ وهل هم إلا الدعاة لمنع خرق السفينة، ليس أدق من وصف غربتنا من هذا الحديث الذي رواه الطبراني بإسناد فيه نظر من حديث أبي أمامة مرفوعًا:"إن لكل شيء إقبالًا وإدبارًا، وإن من إقبال هذا الدين ما كنتم عليه من العمى والجهالة وما بعثني الله به، وإن من إقبال هذا الدين أن تفقه القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا الفاسق والفاسقان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما قُمِعَا وقُهِرَا واضطُهدا، وإن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها حتى لا يُرى فيها إلا الفقيه والفقيهان فهما مقهوران ذليلان، إن تكلما فأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر قُمعا واضطُهدا، فهما مقهوران ذليلان لا يجدان على ذلك أعوانًا ولا أنصارًا".

وتأمل كلام أحمد بن عاصم الأنطاكي - وكان من كبار العارفين في زمان أبي سليمان الداراني - يقول: إني أدركت من الأزمنة زمانًا عاد فيه الإسلام غريبًا كما بدأ، وعاد وصفُ الحق فيه غريبًا كما بدأ، إن ترغب فيه إلى عالم وجدته مفتونًا بحب الدنيا، يُحب التعظيم والرئاسة، وإن ترغب فيه إلى عابد وجدته جاهلًا في عبادته مخدوعًا صريعًا غدره إبليس، وقد صعد به إلى أعلى درجة من العبادة وهو جاهل بأدناها فكيف له بأعلاها؟ وسائر ذلك من الرعاع، همج عوج وذئاب مختلسة، وسباع ضارية وثعالب ضوار، هذا وصف عيون أهل زمانك من حملة العلم والقرآن ودعاة الحكمة. خرجه أبو نعيم في (الحلية) ، وبعد أن أورد ابن رجب هذا الأثر عقب عليه قائلًا:"فهذا وصف أهل زمانه فكيف بما حدث بعده من العظائم والدواهي التي لم تخطر بباله ولم تدر في خياله؟"ونحن نعقب على ذلك ونقول: وكيف الحال إذا علم الأنطاكي والحنبلي أن اليهود والنصارى يملون على المسلمين دينهم ويرسمون الخطوط الحمراء التي يحظر على المسلمين تجاوزها حتى وهم في البلاد الإسلامية!! وكيف الحال إذا علما أن شيخًا مقعدًا أفني حياته نصرة للأقصى من براثن اليهود يغتال ثم لا يستنصر!!

و تأمل أيها المغترب قول الحسن: لو أن رجلًا من الصدر الأول بُعِثَ اليوم ما عرف من الإسلام شيئًا إلا هذه الصلاة، ثم قال: أما والله لئن عاش إلى المنكرات فرأى صاحب بدعة يدعو إلى بدعته أو صاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله - عز وجل - وقلبه يحن إلى السلف الصالح فيتبع آثارهم ويستن بسنتهم ويتبع سبيلهم كان له أجر عظيم. [أخرجه الإصبهاني]

ولعلنا في زمن الغربة نسلي أنفسنا بصفات أهل الغربة التي سطرها الإمام علي - رضي الله عنه - ولعله قال هذه الكلمات في أواخر أيامه حين هجمت عليه الهموم من كل جانب، فقوم فرطوا فيه حتى أخرجوه من دائرة الإسلام وقوم أفرطوا في تعظيمه حتى عدُّوه إلهًا من دون الله يقول - رضي الله عنه-:"والله هم الأقلون عددًا والأعظمون عند الله قدرًا، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هَجَم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما أستوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه، آه آه شوقًا إلى رؤيتهم" [رواه أبو نعيم عن كميل بن زياد] .

عبد الباقي شرف الاسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت