فهرس الكتاب

الصفحة 16733 من 27345

إن أم الكتاب تقرر منهج الوسطية من أولها إلى أخرها وأظهر آية فيها شاهدة بذلك هي قوله - تعالى ( أهدنا الصراط المستقيم ) (1) وما بعدها .

وهذه الآية صريحة في تحديد المنهج الوسط ، ذلك انه بين أن هذا الصراط هو صراط الذين أنعم الله عليهم . قال الطبري- رحمه الله - ( أجمعت الآمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه ، وكذلك ذلك في لغة جميع العرب ، فمن ذلك الشاعر:

أمير المؤمنين على الصراط *** إذا اعوج الموارد مستقيم

قال ابن عباس - رحمه الله - ( اهدنا الصراط المستقيم ) يقول: ألهمنا الطريق الهادي ، وهو دين الله الذي لا عوج له (2) ثم قال: وكل حائد عن قصد السبيل وسالك غير المنهج القويم فضآل عند العرب ، لإضلاله وجه الطريق (3)

وقد بين الله لنا أن الصراط المستقيم هو منهج الوسط ، حيث قال واصفًا الصراط المستقيم ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) (4) ومنهج المغضوب عليهم يمثل التفريط ، بينما منهج الضالين الإفراط ، فهما منهجان دائران بين الغلو والجفاء ، قال ابن كثير: ( رحمه الله) : غير صراط المغضوب عليهم,وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه ، ولا صراط الضآلين ، وهم الذين فقدوا العلم ، فهم هائمون في الضلالة ، لا يهتدون إلى الحق (5)

وبهذا يتبين لنا أن هناك ثلاثة طرق: طريق الذين أنعم الله عليهم ، وطريق المغضوب عليهم ، وطريق الضالين .

والله أمرنا بالالتزام بسبيل الذين أنعم الله عليهم ، لأنه هو الصراط المستقيم ، وهو منهج وسط بين سبيلين منحرفين ، وهما سبيلا اليهود والنصارى ، وكل طريق منحرف عن منهج الصراط المستقيم فله حظ من أحد هذين السبيلين .

ولأن الاستقامة تعني الوسطية كما تبينها آية الفاتحة ، وكما وضحت ذلك في ملامح الوسطية . جاءت الآيات متعددة تدعو إلى الاستقامة بأساليب متعددة وألفاظ متقاربة ، وهي تدور بين الخير والإنشاء .

ومن هذا المنطلق ، وبعد أن تقرر أن طريق الاستقامة هو طريق الأمة الوسط ، فإن كل آية وردت في الاستقامة فهي آية في تحقيق الوسطية والدعوة إليها على المراد ، وبيانًا لهذا المنهج .

قال- سبحانه-: ( فاستقم كما أمرت ومن تاب ومعك ولا تطغوا ) (6) . وقال: ( فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم ) (7)

فقوله تعالى: ( ولا تطغوا ) . بعد أن أمر بالاستقامة, والطغيان هو مجاوزة الحد (8) وهو خروج عن منهج الوسطية إلى الانحراف عن السبيل .

وفي الآية الثانية: قال ( ولا تتبع أهواءهم ) وإتباع الهوى خروج عن الاستقامة ، وانحراف عن منهج الوسطية .

وتتواصل الآيات في هذا الشأن ، ففي سورة البقرة: ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) (9) وفي آل عمران: ( ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ) وفي الأنعام: ( وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ) (10) وفيها: ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا ) (11) وفي النحل: ( وضرب الله مثلًا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) (12) وفي الزخرف: ( فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم ) (13) وفي سورة الملك: ( أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أمن يمشي سويًا على صراط مستقيم ) (14)

إلى غير ذلك من الآيات ، حيث إن كل واحد منها دالة على أن الصراط المستقيم هو الطريق الذي أمرنا باتباعة واجتناب ما عداه ، لأنه هو طريق الحق والعدل والوسط ، وما عداه طريق الضلال والغواية والانحراف عن الصراط المستقيم ، وها هو الشيطان يعلن هذه الحقيقة قائلًا كما ذكر الله في سورة الأعراف: ( فيما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) (15) وصدق الله العظيم إذ يقول: ( من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) (16)

وفي سورة التكوير: ( إن هو إلا ذكر للعالمين . لمن شاء منكم أن يستقيم ) (17) وهذه الآية تعني أن القرآن كله دعوة للاستقامة والسير على المنهج الحق ، قال القرطبي: ( إن هو ) يعني القرآن ( إلا ذكر للعالمين ) أي موعظة وزجر ( لمن شاء منكم أن يستقيم ) أي يتبع الحق ويقيم عليه (4) ومما سبق يتضح لنا أن سورة الفاتحة وضعت القاعدة والمنطلق ، ورسمت المهج وحددت معالمه ، ثم جاءت الآيات بعد ذلك مقررة لذلك وداعية له .

1-سورة الفاتحة ، الآية 6

2-انظر: تفسير الطبري ( ج1/74،73 )

3-انظر: تفسير الطبري ( ج1/84 )

4-سورة الفاتحة ، آية 7

5-انظر: تفسير ابن كثير ( ج1 / 29 )

6.سورة هود ، الآية 112

7.سورة الشورى ، الآية 115

8.انظر: تفسير القرطبي (ج9/107 )

9.سورة البقرة ، الآية 142

10.سورة الأنعام ، الآية: 153

11.سورة الأنعام ، الآية: 161

12.سورة النحل ، الآية 76

13.سورة الزخرف ، الآية 43

14.سورة الملك ، الآية: 22

15.سورة الأعراف ، الآية 16

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت