فهرس الكتاب

الصفحة 5885 من 27345

التمكين وتأويل الأحاديث

أ.د. ناصر بن سليمان العمر

"وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" (يوسف: من الآية21) . ما أحوجنا إلى الوقوف مع هذه الآية في هذه الظروف التي تعيشها الأمة.

القنوط واليأس دخل كثيرًا من القلوب بعد ما رأوا أعداء الله يعودون إلى استعمار بعض بلاد المسلمين مرة أخرى، ومن ذلك ما يفعله اليهود في فلسطين، وما يفعله الغرب في أفغانستان والعراق، نفوس أصابها التشاؤم واليأس والقنوط، والله غالب على أمره.

لقد تواترت الآيات مانعة من الخوف إلا من الله _جل وعلا_، وكذلك الخشية إلا من الله"فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ" (آل عمران: من الآية175) ،"فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ" (المائدة: من الآية3) ."الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" (آل عمران: من الآية173) . فعلينا أن نثق بالله وبوعده، وأن نأخذ بالأسباب التي توصلنا إلى العز والسؤدد والمجد، فلنحسن الظن بالله ولنثق به"وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا" (الطلاق: من الآية3) ."إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ" (غافر:51) ."حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ" (يوسف: من الآية110) .

هذه الآية"وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ" (يوسف: من الآية21) من سورة يوسف الذي عاش ألوان الابتلاء، يأتي تصديقها في نفس السورة"وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ" (يوسف: من الآية21) ، التمكين تمكين خاص وعام، وقد حصل عليهما يوسف _عليه السلام_ مكنه الله في أول الأمر من قلب العزيز، ومكنه الله _جل وعلا_ في داخل السجن، وهذا تمكين خاص.

ثم جاء التمكين العام عندما قال: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم، فأصبح هو عزيز مصر، بل هو سيد مصر الآمر الناهي، حكم فيه بشريعة الله _جل وعلا_"وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ" (يوسف: من الآية21) ، وكأن الآية تشير إلى أن من يأخذ بالأسباب التي أخذ بها يوسف فسيكون نهايته التمكين _بإذن الله_.

والسؤال: كيف نصل إلى ما وصل إليه يوسف؟

والجواب: هنالك أسباب جعلها الله _جل وعلا_ من أخذ بها حصل على التمكين، إما التمكين الخاص أو التمكين العام ولعله تأتي الإشارة بشي من التفصيل إلى ذلك لاحقًا أما ما يهمنا هنا فهو ما يتعلق بتأويل الأحاديث، فالله _عز وجل_ قرن به التمكين، فقال _سبحانه_:"وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ" (يوسف: من الآية21) . ذكر بعض العلماء أن تأويل الأحاديث هنا ليس محصورًا فيما يتعلق بتعبير الرؤى بل هو أعم من ذلك، فيشمل تفسير الأحداث وتوقع نتائجها والقدرة على التعامل معها، فيوسف _عليه السلام_ أكرمه الله بتأويل الأحاديث أي تعبير الرؤيا، وهذا معنى أوّلي، وهو ما مشى عليه عامة المفسرون، ومعنى آخر، وهو تأويل الأحاديث، بمعنى تفسير الأحداث واستشرافها والتخطيط لها، وهذا ما حصل عندما ولي أمر تدبير ما بدء تحققه مما توقعه بعد تأول الرؤيا.

ولعل هذا الضرب من تأويل الأحاديث فيه شبه مما أعطيه عمر بن الخطاب _رضي الله تعالى عنه_، فقد كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ يقول:"قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم" [أخرجاه في الصحيحين] وليس ذلك من ادعاء علم الغيب. كلا وحاشا، بل هي فراسة وعلم قائم بذاته، يبنى على الحقائق والدراسات والأرقام. يلهمه الله بعض خلقه، وخاصة إذا توافر فيهم الصدق، والإيمان، والتقوى، فينير الله بصيرتهم، ويجعل لهم فرقانًا.

ولعل الناظر إلى علم دراسات المستقبل، والذي غدا اليوم علمًا مستقلًا يدرس في أعرق الجامعات، يلحظ أن الذين تفارقهم التقوى والإيمان يخطئون كثيرًا في هذا الجانب رغم عظم ما عندهم من وسائل مادية وإمكانات.

أما إذا توافر مع هذا العلم تقوى وورع وصدق مع الله _جل وعلا_ والتجاء إليه، فيجعل الله لأصحابه فرقانًا يميزون به بين الحق والباطل، وفراسة لا تكاد تخطئ، وقد قال الله _عز وجل_:"وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ" (البقرة: من الآية282) ."يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا" (لأنفال: من الآية29) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت