فهرس الكتاب

الصفحة 21803 من 27345

لماذا اللغة العربية ؟ !

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

إِن واقع اللغة العربية اليوم يتأثَّر كثيرًا بواقع المسلمين، فهي تقوى بقوّتهم وتضعف بضعفهم، ولكنها تبقى في الميدان تصارع التحدِّيات، تبقى حيَّةً بكل خصائصها مهما ضُيِّق عليها أو غزاها الظالمون، ومهما اشتدَّ المكر والكيد لتوهينها أو عزلها عن الميدان.

وجميع اللغات تخضع إلى هذه القاعدة، فهي تقوى بقوّة أُمَمِها وتضعفُ بضعفها، ولكنها لا تستطيع كلُّها الصمود أمام التحديات التي تظهر أمامها. ويضرب لنا التاريخ أمثلة كثيرة على لغات وقفت ثم تراجعت، وعلى لغات أصبحت مجرّد تاريخ، وعلى لغات بادت مع شعوبها.

واختلاف اللغات بين الأُمم والشعوب آية من آيات الله، تحمل العبرة للتأمل والتدبر:

( ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين )

[ الروم: 22 ]

ولكنّ اللغة العربية تميّزت بخصائص لم تتوافر لأي لغة أُخرى. إِنها تميّزت بخصائص وهبتها القدرة العظيمة على الصمود أمام التحدّيات حيّة قوية، تدفع وتدافع وتصارع. وبعض هذه الميّزات ينبع من إمكاناتها الذاتيّة التي وهبها إياها الله من خلال مراحل تاريخها ونموّها، ومنها ما هو نعمة من الله عليها وعلى المسلمين وعلى الناس كافة، حين اختارها الله لغة رسالته إِلى عباده ولغة دينه، وحين تعهَّد الله بحفظ الذكر الذي نزل بها.

وتمرّ اللغة العربية اليوم بتحدّيات وصعوبات نابعة من واقع المسلمين، فلقد فقد الكثيرون من المسلمين اليوم الحافز الإيماني لتعلّم اللغة العربيّة. ظنّ بعضهم أنه يمكن الاستغناء عن اللغة العربية، وأنه يمكن دراسة القرآن الكريم والسنة المطهرة بأي لغة أُخرى إذا تُرجِما إليها. فضعفت النية والعزيمة لتعلّم لغة القرآن الكريم والتمسك بها في مناطق كثيرة في العالم الإسلاميّ، مع ما أخذ المسلمون يعانون منه من غزو كاسح وفواجع ومآسيَ، وهزائم في أكثر من ميدان.

ولقد تبع هذه الظاهرة وصاحبها ضعف في التصور الإيماني والتوحيد وضعف في تدبّر منهاج الله وفهمه وممارسته في واقع الحياة.

وقد أدرك الأعداء أهمية اللغة العربية وخطورة منزلتها في الإسلام وفي فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فكان من أهم محاولاتهم إِضعاف صلة المسلم بلغته العربية، وإِضعاف شعوره بضرورة التمسك بها، وطَرْح أفكار غريبة مريبة تصرف المسلم عن لغة دينه ورسالته في الحياة. واستمرت هذه المحاولات قرونًا واستغرقت جهودًا كثيرة، ومتابعةً متواصلةً دون ملل. فَطُرِحَتْ أفكار لتغيير قواعد اللغة العربية أو بعضها، وأفكار لتغيير أحرفها وكتابتها، وأفكار لتغيير الشعر العربي. وكانت هذه المحاولات والأفكار التي تُطْرَح مرتبطة بسائر المناهج والتخطيط الذي يضعونه لغزو العالم الإِسلامي، وتدمير طاقاته الإِيمانية والفكرية والبشرية وغيرها.

لعل هذا الواقع المؤلم لم يشهد مثله تاريخ المسلمين الطويل،ولا انحسرت اللغة العربية مثل انحسارها اليوم. ولكننا نسرع بالقول لنبيّن ونؤكد أنها مازالت صامدة في الميدان تجابه التحدّيات كلها، وأنها ستنتصر، وينتصر المسلمون، وتعلو كلمة الله لتكون هي العليا، تدوّي بها اللغة العربية: الله أكبر، الله أكبر !

لم يكن المسلمون يسنّون قانونًا عسكريًا أثناء فتوحاتهم يفرضون على الناس به تعلّم اللغة العربية. لم يكن انتشار اللغة العربية في الأرض انتشار قسر وقهر. لقد أقبلت الشعوب كلها على تعلم اللغة العربيّة إقبال شوق ورغبة، بعد أن أسلمت وآمنت، وبعد أن عرفت من إيمانها وإسلامها منزلة اللغة العربية في الإسلام. وظلت اللغة العربية تنتشر بين الشعوب سواء أكان المسلمون منتصرين أم مَهزومين. ونَبَغ من الشعوب غير العربية عباقرة في اللغة وأئمة فيها، حين قدم الإِسلام للشعوب رسالته الربانيّة، رسالة الإِيمان والتوحيد، وحين تساوت الشعوب في ظلال هذه الرسالة وفي ظلال العبودية لله رب العالمين.

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير )

[ الحجرات: 13 ]

ويوم فتح مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب" (1) .

وفي حجة الوداع خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فكان من بين ما قاله:"أيها الناس ! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب. أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجميّ فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت ؟! اللهم اشهد ! قالوا: نعم. قال: فليبلِّغ الشاهد الغائب". (2) .

فلم يكن انتشار اللغة العربية بين الشعوب إلا بحافز إيماني، يزيده قوة ووضوحًا امتداد السلطان والنفوذ، وامتداد الدعوة الإسلامية في الأرض. وأصبحت اللغة العربية أحد العوامل الجامعة للأمة المسلمة، وستظل كذلك على مدى التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت