فهرس الكتاب

الصفحة 2705 من 27345

أسلم أبو بكر رضي الله عنه بدعوة من النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل المرحلة السرية ، قال ابن إسحاق بعدما ذكر إسلام خديجة وعلي وزيد رضي الله عنهم: ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة .

قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - فيما بلغني -:"مادعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة ونظر وتردد , إلا ماكان من أبي بكر بن أبي قحافة , ماعَكَم حين ذكرته له وماتردد فيه".

وقوله"كبوة"أي امتناع , و"عكم"أي تلبث (سيرة ابن هشام 1/255) .

وبعد أن أسلم أبو بكر دعا إلى الله في هذه المرحلة الحرجة , حتى أسلم على يده شباب كان لهم دور كبير في مستقبل الجهاد والدعوة .

وقد ذكر محمد بن إسحاق رحمه الله شيئًا من مآثره في الدعوة حيث قال: فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه - يعني لخاصة من يثق به - ودعا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم , وكان أبو بكر رجلًا مؤلفًا لقومه محببًا سهلًا وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير أو شر , وكان رجلًا تاجرًا ذا خلق ومعروف , وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر , لعلمه وتجارته وحسن مجالسته , فجعل يدعو إلى الله تعالى وإلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه .

ثم ذكر الخمسة الذين أسلموا على يديه في أول الإسلام , وهم عثمان بن عفان , والزبير بن العوام , وعبد الرحمن بن عوف , وسعد بن أبي وقاص , وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم .

قال: فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلَّوا (سيرة ابن هشام 1/254 ) .

هذا النص يبين لنا شيئا من مآثر أبي بكر رضي الله عنه في الدعوة إلى الإسلام , فهؤلاء الخمسة المذكورون الذين أسلموا على يديه كلهم أصبحوا من المبشرين بالجنة , ومن أكابر أهل الحل والعقد في الإسلام وهم إضافة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم كانوا أهل الشورى الذين جعل عمر رضي الله عنه الخلافة فيهم .

فكم هي فضائل أبي بكر رضي الله عنه , وكم هي سوابقه على المسلمين ! إنه لم يكتف بأنه غامر بنفسه فاتبع دينًا لايمثله خارج بيت النبي صلى الله عليه وسلم أحد , وفي ذلك مافيه من المغامرة , بل صار يدعو من يثق بهم سرّا إلى اتباع هذا الدين الجديد , فاستجاب له هؤلاء الفحول الذين صار لهم في مستقبل الإسلام شأن كبير .

ولاشك أن الذين أسلموا واتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو وحيد ليس معه أحد أو معه النفر اليسير .. لاشك أن لهم مكانة وفضلًا كبيرًا في الإسلام , فإن الإقدام على دين جديد يهدم الأديان السائدة في المجتمع أمر له خطورته ,وهؤلاء الذين أقدموا على الإسلام آنذاك يدركون خطر ماتوجهوا إليه, لذلك أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بكتمان دعوتهم , وظلوا يدعون إلى الله تعالى سرّا حتى أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان الدعوة بعد ثلاث سنوات من البعثة .

وإن استمرار هؤلاء الصحابة على دعوتهم السرية ومقدرتهم على كتمانها طيلة هذه المدة أمر يستحق الإشادة والتقدير , والدراسة والتأمل , خاصة مع ملاحظة عيشهم في مجتمع صغير بالقياس إلى حياة المدن في العصر الحاضر , فكم هي الإحراجات التي مروا بها مع أهاليهم وقومهم ! وكيف استطاعوا التخلص منها !

إن كتمان الدعوة يحصر انتشارها بلا شك , وكان هذا واقعًا اضطراريّا تمليه هيمنة الباطل , ولكنه مع ذلك يصنع رجالًا كاملين في مواهبهم وقدراتهم , لأنهم يحسون من أول خطوة في الطريق أنهم يواجهون معركة بعيدة المدى , فيخرجهم هذا الشعور من حياة الدعة والسكون التي قد تعطل بعض المواهب والقدرات , وهكذا تمت تربية أولئك العظماء في تلك الفترة .

وفي قوله عن أبي بكر:"وكان رجال من قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر, لعلمه وتجارته وحسن مجالسته"إشارة إلى عامل مهم من عوامل نجاح الداعية , وهو أن يكون متعدد المواهب, له مشاركة في عدد من الجوانب التي تربطه بالمجتمع , فيأتي إليه في كل جانب طائفة من الناس, فإذا توافر لديه مع ذلك الدافع القوي الذي يجعله يبذل كل طاقته في سبيل دعوته فإنه يعمل عمل عدد من الناس , وينجح في اجتذاب الكثير منهم .

هذا وقد بذل أبو بكر ماله في سبيل خدمة الدعوة الإسلامية , كما جاء في خبر ذكره الحافظ ابن حجر عن يعقوب بن سفيان بإسناده عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: أسلم أبو بكر وله أربعون ألفًا فأنفقها في سبيل الله ..."ثم ذكر المماليك السبعة الذين أعتقهم (الإصابة 2/334 ) ."

دعوة بني عبد المطلب (وموقف لعلي رضي الله عنه )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت