الأستاذ/ أنور الجندي
ما تزال الكلمة الأولى هي الكلمة الأخيرة: هذا وطن الإسلام الذي سرق منه واستولى عليه الاستعمار وحاصر دينه وعقيدته في مؤامرة ضخمة لتدميرهما وتحويل هذه الأمة إلى عبودية الأممية والخضوع للحضارة الغربية والانصهار في المجتمع العالمي المادي العلماني الذي مرق من العبودية لله تبارك وتعالى مفكرًا هذه الرابطة متحللًا منها داعيًا إلى نقضها في محاولة للخروج عن سنن الله تبارك وتعالى.
وبالرغم من مرور أكثر من مائة وخمسين عامًا على الوطن الإسلامي وهو محاصر في دائرة النفوذ الغربي بشكل أو بآخر، وبالرغم من جهاد الأبرار على طول هذا المدى في سبيل الحفاظ على البيضة وحماية الفكرة .. فإنه مهما بدا أنه حر في حركته فهو مقيد محاصر مصادرة ثرواته ومقدراته ، مغرّب شبابه ورجاله حيث تحتويه دعوات الماركسية والليبرالية والقومية والفرعونية في محاولة مستمينة لفصله عن عقيدته ولتحطيم وحدته الكبرى بعد أن أسقطت خلافته ليظل دائمًا ممزقًا مستدلًا .
ولقد عملت اليقظة الإسلامية دائبة على تحريره من قيوده وخطت في سبيل ذلك خطوات واسعة انتقالًا إلى الصحة) في سبيل الوصول إلى (النهضة) غير أن كثافة ردود الأفعال ومضاعفة النفوذ الغربي لعمليات التغريب والغزو الفكري فإنها ماتزال تعمل في محاولة مستميتة لتصهرنا في بوتقة الغرب .
يأتي هذا الخطر عن طريق التعليم والثقافة والصحافة مما يتطلب منا الإلحاح الدائم على تذكر الغاية الأساسية وهي حماية أمتنا من الخطر المسلط على منهجنا الأصيل .
إن تتابع محاولات الاحتواء التي تجري اليوم تحت أسماء مختلفة تحاول أن تصورنا في صورة الأمن الخادع ظنًا منا أننا قد امتلكنا إرادتنا فلا خوف من صهرنا في بوتقة الأممية العالمية أو القضاء على تميزنا وخصوصياتنا ، التي أعطانا إياها الإسلام منذ أربع عشر قرنًا ، والتي ما تزال هي أخطر مايجب الحفاظ عليه وحمايته والتضحية بكل شيء في سبيل الدفاع عن هذه الخصوصية وهذا التميز فهو عنوان إسلامنا الذي ندافع عنه بالأرواح وبالأجساد المتراصة .
إن مهمتنا الحقيقية هو (البناء على الأساس) لسنا نطالب بالعودة إلى الماضي أو إحياء التاريخ ولكنا ندعو إلى التماس أصول منهجنا الذي بني عليه كياننا منذ أربعة عشر قرنًا: هذا المنهج المرن الواسع الأطر القابل لمتغيرات العصور والبيئات دون أن يتهم بالجمود أو التطرف إن النفوذ الأجنبي بهذه الجريمة التي ارتكبها منذ مائة سنة حين حجب منهجنا الإسلامي وشريعتنا وهدم وحدتنا الكبرى قد خالف طريقنا وفتح أمامنا السبل المتفرقة المضطربة وقسم عقيدتنا ومزق وجهتنا بين مذاهب وايدلوجيات بشرية مضطربة وقع الغرب في منزلقها لأنه اختار أن يترك ميراثه السماوي جملة ، أما نحن المسلمون فقد وجدنا أنفسنا على الجادة إزاء رسالة خالدة وكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومنهج أصيل جامع وتاريخ عريق تتمثل فيه تجربة المسلم في سبيل بناء المجتمع الرباني (وإن لم يصل بعد إلى تحقيقها على الوجه الصحيح) .
فإذا نحن طالبنا أن نزيل هذه المرحلة المظلمة من التبعية للغرب حين فرض علينا قانونه الوضعي ونظامه الربوي ومنهجه العلماني ارتفعت الأصوات تصفنا بالجمود والتخلف والرجعية ، وما نحن من ذلك كله في شيء ، ولكنا فور أن نصحح الخطأ ونزيل تبعية فرضت ولم نقبل بها يومًا واحدًا من أيام حياتنا الماضية وكنا نتطلع في كل صباح لأن نعود إلى المنابع ونلتمس أصالتنا ونلتمس طريقنا الأصيل عملًا بالآية الكريمة .
?وَأنَّ هَذَا صِرَاطِيْ مُسْتَقِيْمًا فَاتَّبِعُوْهُ وَلاَ تَتَّبِعُوْا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيْلِه ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِه لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ? سورة الأنعام آية153.
نحن نختلف عن أصحاب الولاء للتبعية الغربية في أننا نطالب بتصحيح المسيرة ، مستمدين ذلك من واقع حياتنا ، فهي ليست معارضة خلاف أو خصومة ، ولكنها مراجعة تلتمس الوصول إلى الجذور والمنابع والبناء عليها ، مراجعة تحرير من تبعية هدف غربي أو ولاء لهذا المنهج أو ذاك من مناهج البشرية التي أثبتت التجربة فساد تطبيقها وسقطت في بلادها التي أنشأتها، وهي مراجعة يطالبنا بها العالم كله اليوم بعد أن أصبح الإسلام هو الأمل الوحيد للبشرية لإخراجها من الظلمات إلى النور .
فها نحن نرى أعلام الغرب وعلماءه يعلنون موقفهم من الإسلام ويكشفون عن فساد تلك الايدلوجيات واضطرابها وعجزها عن العطاء وها هم رجال القانون الغربيون في عديد من المؤتمرات العالمية يعلنون أن الشريعة الإسلامية هي أمل البشرية ومطمع أهلها ، يقولون هذا بينما أهلها مازالوا غارقين في تبعية بغيضة للقانون الوضعي بكل سوءاته وآثامه وحرمانه للأمة الإسلامية من حماية حدود الله تبارك وتعالى وتطبيقها .