فهرس الكتاب

الصفحة 13550 من 27345

تفسير سورة ( ق )

الجمعة 12 رمضان 1397 / 26 آب 1977

( 2 من 4 )

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون:

فبعد الوقفة المتأنية التي وقفناها في الجمعة الماضية مع مطالع سورة ( ق ) لا أجد ضرورة تمس إلى إطالة الوقوف عند بقية أجزاء السورة ، وبحسبنا أن نلمس فيها رؤوس المسائل وأن ننظر إلى المهم منها ، فقد رأينا أن الحجاج بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين أخذ يتشعب ويأخذ مناحي متعددة بعد أن بلغ هذا الحجاج أطواره الجادة .

رأينا أن القضية الواحدة تسلم إلى عدد من القضايا إسلام السبب إلى النتيجة ، فقضية اليوم الآخر التي أثيرت من زمن وشغلت من اهتمام المشركين حيزًا واسعًا فأرّقتهم وأفسدت عليهم لذائذهم واستمتاعهم بهذه اللذائذ ، تتشعب هذه القضية حتى تجر إلى عدد من الأمور ، من أهمها إمكانية أن يكون الرسول المرسل إلى الناس بشرًا منهم ، ومنها وهو شيء مهم أن سياق الحجاج مع المشركين أدى إلى أبحاثًا تهدف إلى تصحيح التصورات الإلهية ، وقلت إن هذا شيء مهم فالواقع أن العبد الذي لا يعرف مولاه على الوصف الحق لا يدرك عظمة هذا الإله ، وبالتالي فإن طاعته له وولاءه له لن تكون إلا ناقصة .

إن تحرير صفة القدرة التي لا يعجزها شيء أمر لا غنى عنه يتصل بالغيب وقضايا الغيب ، إن بحث القدرة وتقريرها بشمولها الذي لا يتناهى بعدم عجزها عن أي شيء ركيزة لا يُستغنى عنها من البحث في قضايا القيامة واليوم الآخر ، إن تقرير القدرة التي لا يعجزها شيء أمر لا محيص عنه إنما تثار أمام المؤمنين مشكلة شائكة كتلك المشكلة التي جرّ إليها الحديث عن يوم القيامة وهي مشكلة بعث الأجساد بعد الموت .

إنك حينما تتأكد وتقتنع بقدرة الله التي لا تتناهى ولا يعجزها شيء فلن يقودك أبدًا أن تسلم بهذه الإمكانات التي بدت للمشركين مستحيلة ، ونحن نرى من أوائل سورة ( ق ) أن المشركين قالوا ( أإذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد ) أي أتقوم القيامة وتعود الأجساد إلى ما كانت عليه بعد الموت وبعد أن تستحيل هذه الأجساد إلى تراب ؟ يردون عليه ( ذلك رجع بعيد ) والرجع هو الرجوع والبعث وقيامة يوم الآخر ، وفي قولهم ( ذلك رجع بعيد ) إشارة واضحة إلى أنهم يكذبون بإمكانية هذا اليوم ، فليسوا يريدون ـ والله أعلم ـ عودة إلى الحياة ثانية كهذه التي يتحدث عنها القرآن أمر بعيد أي أنه لن يكون إلا بعد سنين يخطئها العدّ والإحصاء ، لا ، وإنما يريدون أن ذلك مستحيل على حد ما يقول القائل هذا أمر بعيد عن التصور وعن التصديق ، وقولهم ( ذلك رجع بعيد ) معناه ذلك أمر مستحيل ، وهنا تثار المشكلة مشكلة العلم المحيط بكل شيء ، العلم الرباني ، إن القضية حين عُرضت بهذا الشكل ، عُرضت وهي تتضمن استحالة المرجع مرة أخرى استنادًا إلى ماذا ؟ ولماذا يستحيل المرجع ؟ إن القضية التي استند إليها المشركون قضية ظاهرة ( أإذا متنا وكنا ترابًا ) فهم يستندون في نفيهم هذا إلى حقيقة معروفة مشهودة ماثلة هي أن الإنسان حينما يأتي أجله فيموت يوضع في باطن الأرض ، فإذا أودع في باطن الأرض ، بدأت تعمل فيه عوامل التحلل والبلى فتتفرق أجزاء الجسم ، تختلط بالتراب وقد ينكشف القبر فتتفرق من الجسم أشلاء وأجزاء ، وقد تعبث الريح بهذا التراب الذي تحللت إليه خلايا الجسم فيتطاير في كل مكان ، وقد يتمزق فيكون قسم في البر وقسم في البحر وقسم تحت الثرى وشيء منه طائر في الهواء ، إن هذه الحقيقة الماثلة المشهودة أثارت في أذهان المشركين قضية صبيانية ، ونقول إنها صبيانية لأن هؤلاء ما زالوا يقيسون الرب تعالى بالعبيد ، ينسبون قوى الإله إلى قوى العبيد ، وقدرة الإله إلى قدرة العبيد ، وعلم الإله إلى علم العبيد ، وحين يكون الأمر أمر مقارنة ومقايسة على هذا المستوى ومن هذا القبيل فالأمر أضحوكة صبيان ، لأن الإله إذ يدخل ميدان المقارنات والمقايسات مع عباده فما هو بإله وليس ربًا ، وبالتالي فلن تكون له الأوصاف العليا والسمات المثلى .

إنهم حين رأوا أن الإنسان إذا غاب الشيء عن حسه غاب عن علمه ، قالوا استنادًا إلى هذا: إن الجسد الإنساني إذا تحلل وتفرق أجزاءه وإذا أضفت إلى هذه الواقعة المعروفة واقعة أخرى لا تقل عنها ظهورًا وبروزًا وهو أن الأمر ليس أمر جسد واحد ، وإنما هو أمر الملايين من الأجساد التي تختلط جميعًا لا تفترق منها ذرة عن ذرة في التركيب وفي الوصف والتي تذهب في أجواء السماء وعلى أديم الأرض مختلطة متناثرة لا تستطيع أن تميز منها شيء ، ولا تستطيع أن تميز منها عضوًا عن عضو ، إنك حينما ترى الأمر بهذا الشكل فستكون القضية مشكلة بحق كما يزعمون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت