فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وبعد ذلك فأنت تجد هذه الحكمة حينما تكتشف أن هذا التساؤل لا معنى له ، لأننا حينما نتعجب من إرسال رسول إلينا من أنفسنا فما الذي سيكون ؟ أمران: إما أن ينزل الله من سمائه لعيش بين الناس كما تصورت اليهود والنصارى فقالوا إن الله فدى خطايا البشر بان نزل في بطن مريم فكان جنينًا ثم ولد ثم مات على الصليب ليتحمل خطايا البشرية كلها . إما أن يكون الأمر بهذه الصورة وهو كما ترون ضلال مبين وفساد في العقل لا تدرك له غاية ، وإما أن يكون الرسول من الملائكة . أما أن ينزل الله من علياء سمائه ليخاطب كل مخلوق بحقائق الرسالة فهذا مستحيل ، إن الله تعالى حجب ذاته بحجاب العظمة والكبرياء ، ولو سفر عن ذاته لأحرقت سبحات وجهه كل شيء ، إن موسى عليه السلام أثناء المناجاة ( قال ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ) أيوجد شيء أقوى من الجبال ؟ ( فلما تجلى ربه للجيل جعله دكًا وخرّ موسى صعقًا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المسلمين ) إن تواجد الإله بين العباد أمر غير متصور . يبقى الاحتمال الآخر أن يكون الرسول من غير الجنس البشري أي من الملائكة ، وقلنا من قبل إن القرآن تولى الرد بصورة مفحمة على هذا الاحتمال قال ( ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلًا وللبثنا عليهم ما يلبثون ) لو أننا فعلًا اصطفيناه من الملائكة وقلنا له احمل الرسالة إلى الناس لكان من ضرورة تفاهمه مع الناس أن يسبغ عليه جسم البشر ، وعادت المسألة كما كانت في الأول ، عادت لبثًا جديدًا لأننا ننظر أمامنا فنرى صورة بشرية ، ما يدرينا أنها من الملائكة ؟ لا ندري ، فرجعنا إلى التشكيك .
إذا كان هذان الاحتمالان غير واردين انهما غير ممكنين فماذا يبقى ؟ يبقى الاحتمال الثالث والأخير والوحيد والممكن أن يكون رسول كل قوم منهم ولا يمكن أن يكون رسول القوم من غيرهم . أرأيتم البشر ؟ أرسل إليهم رسولًا من البشر من نفس قومه يتكلم معهم بلسانهم قال تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبيّن لهم ويضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) أن هذا بيان وبلاغ تترتب عليها نتائج ويترتب عليها هدى وضلال ، وما لم يكن ثمة ضمانات واحتياطات تضمن سلامة هذا البلاغ فنحن ننتقص من قيمة البلاغ وننتقص من قدره ، لا بد إذًا أن يكون الرسول منا ، فحين يقال ( بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ) نضحك ونسخر لهذه العقول التي تتصور أنها تصنع شيئًا وهي لا تصنع أي شيء ، ولو أنها أنصفت لوجدت الحق والحقيقة .
وفي الجمعة القادمة نتابع السورة .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمد لله رب العالمين .