خالد أحمد الشنتوت
للمسجد مكان الصدارة في المجتمع المسلم ، قال تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين ) [ آل عمران: 96 ] . قال ابن كثير يرحمه الله [1/383] : ( يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس ، أي لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم ، يطوفون به ويصلون إليه ، ويعتكفون عنده ،( للذي ببكة ) يعني الكعبة التي بناها إبراهيم عليه السلام ) .
كما أن رسول اللهr لم يستقر به المقام عندما وصل إلى حي بني عمرو بن عوف في قباء حتى بدأ ببناء مسجد قباء ، وهو أول مسجد بني في المدينة كماذكر ابن كثير يرحمه الله ( 3/209) .وعندما واصل سيره إلى قلب المدينة ( يثرب - يومذاك ) كان أول عمل قام به هو بناء مسجده (1) . وهذا يدل على المكانة العظيمة للمسجد في المجتمع المسلم ، فهو بيت الله ، وكفاه شرفًابهذاالنسب (وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدًا ) [ الجن:18 ] .
وظائف المسجد في المجتمع المسلم
للمسجد وظائف متعددة في المجتمع المسلم أولها وأهمها إقامة الصلاة وهي الركن الثاني من أركان الإسلام ، حيث يلتقي المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة ، بعد أن يسمعوا النداء إليها مذكرًا بتوحيد الله ( الله أكبر .... أشهد أن لاإله إلا الله .... ) .
والوظيفة الثانية للمسجد التربية الإسلامية ( الروحية والعقلية والسياسية والجسدية ... ) ونشر العلم ، وتعليم المسلمين ما ينفعهم في آخرتهم ، ثم ما ينفعهم في معاشهم . وعندما انطلق العلم من المسجد كان مباركًا خالصًا لله عزوجل ، ومن ثم نشأت الكتاتيب في المساجد ، ثم تحولت إلى مدارس وجامعات ( [2] ) .
وفي المسجد تعقد المؤتمرات لمناقشة أحوال الأمة وما يواجهها من مشكلات ، وفيه تتخذ قرارات الشورى وفيه يجتمع أهل الحل والعقد لرسم السياسة العليا للمجتمع ، كما كان في عهد رسول الله r ، والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم .
ومن المسجد كان العلماء يسيرون الجيوش المسلمة للدفاع عن المسلمين ، فهذا ابن تيمية والعز بن عبد السلام - يرحمهما الله- يقودون المسلمين لمواجهة التتار ، وحتى أثناء الحملة الفرنسية على مصر كان علماء الأزهر يقودون المسلمين في مصر لمواجهة الفرنسيين مثل عبدالله الشرقاوي ، والإمام أحمد الدردير ، وكان للأزهر دور كبير في ثورة (1919) ضد الإنجليز ووقفت الدوريات العسكرية الإنجليزية أمام الأزهر لتمنع العلماء والطلاب من المظاهرات ( [3] ) .
هذه بعض وظائف المسجد في المجتمع المسلم ، ولايسمح المقام للتفصيل ، لأننا سنعود للحديث عن التربية السياسية في المسجد:
الصلاة والتربية السياسية
وللصلاة فوائد كثيرة منها التربية السياسية التي تربي الفرد المسلم ليكون مواطنًا صالحًا في المجتمع المسلم ، ويمكن تعريف التربية السياسية بأنها: إعداد المواطن الصالح للمجتمع المسلم ، الذي يعرف واجباته فيؤديها تقربًا لله عزوجل ، ويعرف حقوقه فيطالب بها بالطرق المشروعة ، ومن المسلمات أن الإنسان لا يعيش بدون مجتمع ، والمجتمع سابق على الفرد ، فلايوجد الفرد إلا ضمن مجتمع ، ولا يستطيع الفرد أن يحقق وجوده الإسلامي إلا ضمن المجتمع ، وثلاثة أرباع الفرائض والواجبات الإسلامية لاتتم بدون مجتمع مسلم ( [4] ) .
المسجد وصلاة الجماعة
وللمسجد أهمية كبيرة في تماسك المجتمع ليبقى حيًا كالجسد الواحد كما وصفه رسول الله عندما قال: [ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ] ( [5] ) . وكيف يتراحم المسلمون إذا لم يرَ بعضهم بعضًا !!؟ لذلك كانت صلاة الجماعة ليلتقي المسلمون خمس مرات في اليوم والليلة ، ويعيش الفرد المسلم متفاعلًا مع المجتمع ، ولاينعزل عنه .
( إن أهم رسالات المسجد لقاءات المؤمنين في رحابه خمس مرات يوميًا في عبادة وتذاكر وتراحم ، وتعاون ، متماسكين كصفوفهم في الصلاة ، وصلاة المسلم في المسجد أفضل من صلاته في بيته أو سوقه ، فعن أبي هريرة t عن النبي r قال: [ صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا،وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لايخرجه إلا الصلاة ،لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه خطيئة ، فإذا دخل المسجد كان في صلاة ماكانت الصلاة تحبسه ، وتصلي عليه الملائكة مادام في مجلسه الذي يصلي فيه ، اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، مالم يحدث فيه ] ( [6] ) . ويتعلم المسلم في المسجد الكثير ، ومنه اتباع النظام والتعود عليه ، عند تسوية الصفوف ، القدم بالقدم ، والكتف بالكتف ، كما يتعلم التواضع ، فالفقير بجوار الغني ، كتف بكتف ، وقد يكون الإمام أقل الناس مالًا ، والمأموم أكثر منه ثراء ( [7] ) .