فهرس الكتاب

الصفحة 23789 من 27345

لماذا لا نستفيد منه؟

د. محمد العبدة 21/3/1425

جاء الإسلام -وهو خاتم الرسالات - إلى البشرية كلها؛ أسودها وأبيضها، عربها وعجمها، ودخلت في دائرته شعوب وحضارات متعددة مختلفة، اندمجت في تصوراته وثقافته؛ ذلك لأن تشريعاته موافقة للفطرة، يألفها الناس ويتقبلونها دون مشقة أو تكلف، ومن المفاهيم التي أكد عليها القرآن في موضوع تجمع البشر كوحدة تصلح عليها حالهم مفهوم: الأمة وهو مصطلح يرجع أساسه إلى الدين والعمل الصالح أي هو ديني سياسي إذا صح التعبير، أو هو: «ما يبلغ إليه الاعتقاد الإسلامي حيثما كان؛ فهو لا يحدد بمكان ولا بنسب ولا قبيلة ولا موطن» (1) . والأمة لا تكون بأن يعيش أفراد على رقعة أرض واحدة، ولا التكلم بلغة واحدة؛ بل أن يلتقي أفرادها على هدف واحد «فالاجتماع يقتضي نصًا من خارج، يتساوى الجميع في ظله، فيوحِّد ويضبط ويشرع، وتنفسح آفاقه فوق روابط الدم والجغرافية والاقتصاد» (2) .

إن أي تجمع على غير هذه الأسس سيفترق الناس عليه؛ لأنه سيبنى على العصبيات والمصالح الضيقة. والحقيقية أن مفهوم الأمة في الإسلام مرحلة جديدة في الاجتماع البشري.

لم يهدم الإسلام الروابط الطبيعة بين البشر، ولكنه تجاوزها ووسع معناها وأحكم الربط فيما بينها؛ فوحدة الأسرة، ووحدة القبيلة والوطن، كلها اعتبرها الإسلام، وجاءت أحكامه مهتمة بالأسرة، وجعل من القبيلة رابطة رحم ونسب وليست عصبية جاهلية، وجاءت الوصية برعاية حقوق الجار كرابطة وطنية، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحن إلى موطنه الأول: مكة، كما أحب موطنه الثاني: المدينة.

ولكن هذه الروابط ليست غاية، بل هي مؤدية وخادمة للرابطة الكبرى (الأمة) وإذا كانت هذه الروابط تعارض مفهوم الأمة، أو تعود عليه بالانخرام والانحلال، فلا شك أن رابطة الأمة تنسخ هذه الروابط الجزئية.

مصطلح الأمة في القرآن الكريم:

ذكر هذا المصطلح في القرآن على عدة أوجه، منها:

1 -بمعنى: الرجل الجامع للخير، الذي يُقتدى به: (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) [النحل: 120] .

2 -بمعنى: الدين والملة: (إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) [الأنبياء: 92] . وقوله تعالى: (إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) [الزخرف: 22] .

3 -بمعنى: القوم، كقوله تعالى: (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) [القصص: 23] .

4 -أهل الإسلام خاصة: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110] (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143] .

5 -بمعنى: الزمن أو السنين: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ) [هود: 8] وقوله تعالى: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) [يوسف: 45] (3) .

وإذا أخذنا مصطلح:"أهل الإسلام وخاصته"فسوف نجد أننا أمام أمة (من دون الناس) لها خصائصها ورسالتها. والمهاجرون والأنصار الذين ذُكروا في صحيفة المدينة كأمة من دون الناس، أصبحوا جزءًا من الأمة الإسلامية، أمة التعارف، بما تضم من شعوب وقبائل، والوطن الإسلامي الأول الذي تكوَّن في المدينة إنما استمد حقيقته من كيان الأمة التي أسسها محمد صلى الله عليه وسلم في مكة والمدينة بالتوحيد والأخلاق والهجرة والمؤاخاة. وليست الأمة هي التي استمدت حقيقتها من الوطن وحدوده الترابية. لقد أعطى الإسلام للعرب بهذا المفهوم بُعدًا عالميًا بعد أن كانت العصبية القبيلة هي التي تحركهم.

بعض خصائص هذه الأمة:

1 -إذا كانت الأمم الأخرى تجتمع على أسس قومية: عرقية، أو جغرافية واقتصادية؛ فإن جامعة المسلمين أسمى من هذه الأمور والذي يجمعها هو الدين، وهنا يتساوى الناس كلهم، لا تعصب للألوان والأشكال والأعراق. وهذه الأمة موحدة ولو فرقتهم التقسيمات السياسية وأصبحوا دولًا شتى.

2 -وهي أمة مجتباة، الله -سبحانه وتعالى- هو الذي أخرجها: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110] وقال تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ) [الحج: 78] .

3 -وهي أمة وسط، والوسط هنا هو الخيار والأفضل، لما تميزت به شريعتها وإنما جعل الخيار وسطًا؛ لأن الأطراف ربما يتسارع إليها الخلل، أما الأوساط فهي محمية محوطة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا فضل الأمة الإسلامية وميزتها في تعليقه على حديث «إنه كان في الأمم قبلكم مَحدَّثون (4) ؛ فإن يكن في هذه الأمة فعمر بن الخطاب» : «جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا، وعلق وجودهم في هذه الأمة بـ (إن) الشرطية، مع أنها أفضل الأمم، لاحتياج الأمم قبلنا إليهم (المُحدَّثون) واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته، فلم يحوج الله الأمة بعده إلى مُحدّث ولا ملهم ولا صاحب كشف ولا منام» (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت