... في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
للإمام العلاّمة: عبد الحميد بن محمد ابن باديس الصنهاجي
إعداد وتقديم د.البشير صوالحي
الحلقة الأولى
ينقلنا الإمام ابن باديس في تفسيره الجليل إلى عالم عجيب, تمتزج فيه المعجزة الإلهية في روعة انتقائه للأنبياء الأصفياء مع عجائب الخلقة في الأنفس والآفاق, مع ما يطبع ذلك من صور الانسجام والتفاعل بين مخلوقات الله,وقدرتها على التكامل في أداء مهمتها الرسالية, واستعدادبعضها لقبول سنة التسخير, في مقابل خدمة صاحب الرسالة الخالدة.
والآيات التي بين أيدينا, تعبر عن نموذجين رائعين للقيادة, نموذج بشري تمثله النبوة في أرقى تألقها ونجاحها, حين تخط طريقها بحزم في التمكين لدين الله مع حسن استخدامها لهيبة السلطان ,ونموذج غير بشري يمثله عالم النمل الذي فطر على الترتيب والتدبير,وهو في ذلك ملتزم بأوامر قيادته,حريص على سلامة أفراده ,وهذه هي قمة الشعور بالمسؤولية في موقع المسؤولية,وأفضل مثال لإحياء روح النظام والانضباط الذي يحقق سنة النهوض والبقاء , حتى عند من لا يدرك أهميته إلا بالفطرة من غير البشر.
قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِين} (النمل: 15) .
(علمًا) نوعا عظيمًا ممتازًا من العلم جمعا به بين الملك والنبوة، وقاما بأمر الحكم والهداية. (وقالا) قولهما متسبب وناشيء عن العلم، لكنه لو قيل:"فقالا"بالفاء، لما أفاد أن غير القول تسبب منهما عن العلم. ولماّ عطف بالواو دل على أن هنالك أعمالًا كثيرة كانت منهما في طاعة الله وشكره، نشأت عن العلم وعليها عطف قولهما هذا.
(فضلنا) أعطانا ما فقنا به غيرنا. (على كثير) فهنالك كثير لم يفضلا عليه ممن ساواهما أو فاقهما. (من عباده المؤمنين) ففضلا بين أهل الفضل، فكانا من أفضل الفاضلين، وذلك بما أعطيا من النبوة وملكها.
يخبرنا الله - تعالى - عما أعطى لهذين النبيين الكريمين من هذا الخير العظيم، وعما كان منهما من الشكر له، والمعرفة بعظيم قدر عطائه، وإظهار السرور به، مع الاعتراف لغيرهما بما كان من مثله أو نحوه، ومن إعلانهما ما كان لله عليهما من نعمة التفضيل العظيمة بحمده والثناء عليه.
تنويه وتأصيل:
قد ابتدأ الحديث عن الملك العظيم بذكر (العلم) ، وقدمت النعمة به على سائر النعم، تنويهًا بشأن العلم، وتنبيهًا على أنه هو الأصل الذي تنبني عليه سعادة الدنيا والأخرى، وأنه هو الأساس لكل أمر من أمور الدين والدنيا، وأن الممالك إنما تنبني عليه وتشاد، وأن الملك إنما ينظم به ويساس، وأن كل ما لم يبن عليه فهو على شفا جرف هار، وأنه هو سياج المملكة وذرعها، وهو سلاحها الحقيقي، وبه دفاعها، وأن كل مملكة لم تكحم به فهي عرضة للانقراض والانقضاض:
قال أبو الطيب المتنبي:
أعلى الممالك ما يبنى على الأسَلِ والطعن عند محبيهنّ كالقبَلِ
نعم إن محبي الممالك الصادقين في محبتها، والذين تصلح لهم ويصلحون لها، هم الذين يستعذبون في سبيلها الموت، ويكون الطعن عندهم مثل القبل على ثغور الحسان. فأما الممالك التي تبنى على السيف فبالسيف تهدم، وما يشاد على القوة فبالقوة يؤخذ. وإنما أعلى الممالك وأثبتها ما بني على العلم، وحمي بالسيف. وإنما يبلغ السيف وطره ويؤثر أثره، إذا كان العلم من ورائه.
ولكن أبا الطيب - شاعر الرجولة والبطولة، وشاعر المعارك والمطامع - لا يرى أمامه إلا الحرب، وآلات الطعن والضرب فلا يمكن أن يقول - وقد غمرته لذة الانتصار، واستولت نشوة الغلب والظفر على لبه وخياله - إلا ما قال.
فقه وأدب:
يجوز لمن أنعم الله عليه بنعمه وفضله بفضيلة أن يفرح بتلك النعمة ويظهر فرحه بها، في معرض حمد الله عليها، من حيث أنها كرامة من الله، لا من حيث أنها مزية من مزاياه فاق بها سواه، مثل فعل هذين النبيين الكريمين، وكما قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} (يونس: 58) .
وكثيرًا ما يكون التفات المرء إلى نفسه حاجبًا له عن غيره، فيذكر من شأنه ما أفرحه، ويسكت عن غيره، وفيهم من هو مثله ومن يفوقه، فقد يجر هذا إلى عجب بنفسه، وغمط لحق من عداه.
فلهذا كان من أدب مقام الفرح بنعمة الله وحمده عليها، ذكر نعمته العامة عليه وعلى غيره، والإشارة إلى من فضلوا عليه؛ فيكبح من نفسه بتذكيرها بقصورها، ويرضى الله باعترافه لذي الفضل بفضله، وحكمة الله وعدله، وبوقوفه كواحد ممن أنعم عليهم من عباده.
إرشاد وإشادة: