فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أذكار الأنبياء - صلوات الله عليهم - من حمد وتسبيح وتهليل وغيرها أفضل الأذكار، وأجمعها وأسلمها. وقد اشتمل الكتاب العزيز على كثير منها. فعلى المسلم الحريص على الخير بها علمًا وعملًا، فقد رأيت ما يحف بإظهار الفرح بنعمة الله من مخاطر إذا لم يتنبه لها، وقد جاء هذا الحمد النبوي محصلا للقصد، سالمًا من كل خطرة بعباراته الموزونة الشاملة، التي لا يصدر مثلها إلا منهم لكمال علمهم وأدبهم، عليهم الصلاة والسلام.
الآية الثانية
{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} (النمل: 16) .
(الإرث) انتقال ما كان للميت إلى الحي، فيقوم فيه الوارث مقام الموروث، سواء أكان مالًا أو ملكًا أو علمًا أو مجدًا. والمراد هنا الملك والنبوة. (علمنا) أعطينا العلم، ولم يذكر المعلم - وهو الله - للعلم به فإن هذا التعليم ليس من معتاد البشر، ولا من طرقهم.
(منطق الطير) نطقها وهو تصويتها، وقد يطلق النطق على كل ما يصوت به الحيوان، فالحيوان ناطق، والجماد صامت.
(وأوتينا) أعطينا، والنون في الفعلين للعظمة إذ هي حالته التي هو عليها. (من كل شيء) هو على معنى التكثير، أو على معنى العموم الحقيقي، فيما تقتضيه تلك العظمة، مما يؤتاه الأنبياء والملوك. (الفضل) الزيادة. (المبين) الظاهر الذي لا خفاء به.
المعنى:
قام سليمان مقام أبيه داود عليهما الصلاة والسلام، فكان في بني إسرائيل من بعد نبيًا ملكًا. وأراد سليمان أن يشهر نعمة الله عليه وينوه بها ويدعو قومه إلى الإيمان به وطاعته؛ فدعا الناس وذكر لهم ما خصه الله به من علم منطق الطير، وعظائم الأمور، مما هو خارق للعادة معجز للبشر، آية على نبوته. وتحداهم بذلك الفضل الذي امتاز به عن جميع الناس، وهو مشاهد لهم لا يمكنهم إنكاره كما لا تمكنهم معارضته.
فقه وتحقيق:
من ميزة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أنهم يخرجون من الدنيا دون أن يعلقوا بشيء منها، فلا يورثون دينارًا ولا درهمًا وإنما يورثون العلم. وفي الصحيح"إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة". فلم يرث سليمان من داود مالًا، وإنما ورث ما نوه به من العلم والملك، وما دل عليه ذلك من النبوة، وقد خصصه الله بذلك دون بقية إخوته.
تفرقة:
الشيء الموروث إن كان من أمور الدنيا وأعراضها ومتناولات الأبدان ومتصرفاتها، فإنه ينتقل بذاته من الميت إلى الحي، وينقطع عنه ملك الميت. وما كان من صفات الروح فإنه لا يفارق الميت - لبقاء الروح - وإنما يقوم الحي مقام الميت في أداء ما كان يؤديه الميت من أعمال بمثل متصفًا بمثل ما كان متصفًا به الميت، ومتحليًا بمثل حليته. فإرث سليمان للملك هو من المعنى الأول فداود بعد موته لم يبق ملكًا، وإرثه للعلم والنبوة هو من المعنى الثاني فداود بعد موته على علمه ونبوته.
تفرقة أخرى:
إذا كان الموروث مالًا فإنه يستحق بالقرابة شرعًا. وإذا كان علمًا أو نبوة أو ملكًا فإنها لا تستحق بها.
فلم يرث سليمان من داود ما ورثه منه لأنه ابنه، وإنما كان ذلك تفضلًا من الله ونعمة، ولهذا لما دعا سليمان الناس لم يذكر لهم أبوة داود، وإنما ذكر لهم ما كان به أهلًا لمقامه، مما خصه الله به من علم وقوة، ومظاهر الملك ومعجزة النبوة.
عجائب الخلقة وحكمة العربية:
للحيوانات كلها فهم وإدراك وأصوات تدل بها على ما في نفسها، وتتفاهم بها أجناسها بعضها عن بعض. ومن تلك الأصوات ما يكون أخفى من أن يصل إليه سمعنا؛ ومنها ما نسمعه، ومما نسمعه ما نفهم مرادها به ومنه ما لا نفهمه، فلا نسمع صوت النملة ولكننا نسمع صوت الهرة -مثلا- ونميز بين صوتها الذي تدل به على غضبها، وصوتها الذي تدل به على طلبها.
وفي مملكة النمل ومملكة النحل - مثلا - من النظام والترتيب والتقدير والتدبير، ما لا يبقى معه شك فيما لهذه الحيوانات من إدراك وتمييز، وما بينها من تفاهم، بل كثير من الحيوانات تصير بالترويض تفهم عنا كثيرًا من العبارات والإشارات، وتأتي بالأعمال العجيبة طبق ما يراد منها تدل عليه فهذا أصل ما بلغت إليه من إدراكها ونطقها اللذين أخبر بهما القرآن. وتلك الغاية من الإدراك والنطق، لا سبيل لنا إليها لاختلاف الخلقة وجهل مدلولات الأصوات. وقد أدركها سليمان - عليه السلام- بتعليم من الله كرامة له، وآية على نبوته، ومعجزة للناس.
فمن حكمة اللغة العربية الشريفة، ان سمت أصوات الحيوانات نطقًا، كما سمت -في المتعارف- اللفظ الذي يعبر به عما في الضمير نطقًا، لأن الأصوات لغير الإنسان تقوم مقام الألفاظ للإنسان، فهي طريق تفاهمها وطريق فهم ما يمكن للإنسان فهمه عنها. فلله هذه اللغة ما أعمق غورها! وما أدق تعبيرها.
نظر وإيمان: