فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قد شوهد بالعيان في أنواع من الحيوانات: حسن تدبيرها لأمر معاشها، ودقة سعيها في جلب منافعها، ودفع مضارها، فمن الجائز أن يصل إدراكها بالفطرة إلى ما وراء ذلك من وجود خالقها ورازقها. وهذا هو الذي أخبرنا به القرآن في هذه الآيات من أمر النملة وأمر الهدهد الآتيين من بعد. فنحن مؤمنون لجوازه عقلًا، وثبوته سمعًا، مثل السمعيات.
تمييز:
قد شارك الحيوان الإنسان في الإدراك والتمييز، وبلغ إدراكه إلى معرفة وجود خالقه ورازقه، ولكن الإنسان يمتاز عنه بقوة التحليل والتركيب لكل ما يصل إليه حسه وإدراكه، وتطبيق ذلك على كل ما تمتد إليه قدرته ويكون في متناول يده، فمن ذلك التركيب والتحليل والتطبيق تغلب على عناصر الطبيعة، وتمكن من ناصيتها، واستعمال حيوانها وجمادها في مصلحته، ورقي أطوار التقدم في حياته، ولفقدان الحيوان - غير الإنسان - هذه القوة بقي في طور واحد من حياته ومعيشته.
فإدراك الحيوان فطري إلهامي بعطاء من أول الخلقة، والإنسان يعطي أصل الإدراك الإجمالي، ثم بتلك القوة يتسع أفق إدراكه، ويستمر في درجات التقدم. وهذه القوة التي يمتاز بها الإنسان هي العقل، وهي التي ساد بها هذا العالم الفاني.
توجيه:
ذكر سليمان عليه منطق الطير، وهو قد علم منطق غير الطير أيضا فقد فهم نطق النملة، ذلك لأن الحيوانات - غير الإنسان- مراتب: الزاحفة، والماشية، والطائرة، أشرفها الطائرة، فاقتصر على الطير تنبيهًا بالأعلى على الأدنى.
تنزيه وتبيين:
عبر سليمان عليه السلام عن نفسه بنون العظمة، ونوه بذلك الفضل المبين، وما كان عليه السلام ليتعظم بسلطان، ولا ليتطاول بفضل؛ فالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- اشد الخلق تواضعًا لله وأرحمهم بعباده.
وإنما أراد تعظيم نعمة الله في عيون الناس، وتفخيم ملك النبوة في قلوب الرعية، ليملأ نفوسهم بالجلال والهيبة، فيدعوهم ذلك إلى الإيمان والطاعة، فينتظم الملك، ويهنأ العيش، وتمتد بهم أسباب السعادة إلى خير الدنيا والآخرة، وهذا هو الذي توخاه سليمان عليه السلام من المصلحة بإظهار العظمة.
ولذا لم يقل: (علمت) . ولا (لي) و (عندي كل شيء) . ولم يقل (فضلي) فهو فضل من علمه وآتاه فضله به عمن سواه.
ترغيب واقتداء:
يذكر الله - تعالى - لنا في شأن هذا النبي الكريم ما أعطاه من علم، وما مكنه منه من عظيم الأشياء. ترغيبًا لنا في طلب العلم، والسعي في تحصيل كل ما بنا حاجة إليه من أمور الدنيا. وتشويقًا لنا إلى ما في هذا الكون من عوالم الجماد، وعوالم الأحياء. وبعثا لهممنا على التحلي بأسباب العظمة من العلم والقوة. وحثًا لنا على تشييد الملك العظيم الفخم على سنن ملك النبوة.
فقد كان سليمان عليه السلام نبيًا، وما كان ملكه ذلك بإذن الله ورضاه، فهو فيما ذكره الله من أمره قدوة وأي قدوة مثل سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمع
في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
للإمام العلاّمة: عبد الحميد بن محمد ابن باديس الصنهاجي
الحلقة الثانية
إعداد وتقديم د.البشير صوالحي
الآية الثالثة: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} (النمل: 17) .
(الحشر) الجمع من أماكن متفرقة. (جنوده) هو المنتظمون في سلك عسكريته، فجمعوا له عند الحاجة إليهم في سفر أراده. (يوزعون) يكفون عن الخروج عن النظام في السير، فيمنع أولهم من سبق آخرهم، وآخرهم من التأخر عن سابقهم، ويمنعون من الخروج عن الصفوف إلى اليمين أو الشكال، لأن وزعه عن الشيء معناه كفه عنه.
وفي ترتيب الجنود في الذكر مراعاة الأقوى، وأعلاهم في ذلك الجن، ثم الإنس، ثم الطير وفاعل (حشرهم) الأعوان الحاشرون. وفاعل (وزع) هم الضباط المنظمون.
المعنى:
كان لسليمان ـ عليه السلام ـ من الجن والإنس والطير جنود معينون معروفون يتركب منهم عسكره. يكونون متفرقين، فإذا عرض أمر جمعهم. وكان له أعوان يعرفون أولئك الجنود ويعرفون أماكنهم، فهم الذين يجمعونهم عند الحاجة إليهم. فأراد سليمان أن يسافر، فأمر أعوانه بجمع الجنود فجمعوهم له. فلما اجتمعوا تولى رؤساؤهم تنظيمهم فساروا مع سليمان في كثرة ونظام، يتولى أولئك الرؤساء تنظيمهم في سيرهم ويمنعونهم من الخروج عن النظام.
تفصيل:
كما أن للإنس من يعرفهم من أعوان سليمان ومن ينظمهم من رؤسائهم، كذلك يكون للجن، وكذلك يكون للطير. وسلطة سليمان على الجن وتسخيره لهم وسلطته على الطير وفهمه لها وفهمها عنه معجزة له، وخصوصية ملك لم ينبغ لأحد من بعده!!
تاريخ وقدرة:
تفيدنا الآية صورة تامة لنظام الجندية في ملك سليمان.
فقد كان الجنود يسرحون من الخدمة ويجمعون عند الحاجة.
وكانت أعيانهم معروفة مضبوطة.
وكانت لهم هيئة تعرفهم وتضبطهم وتجمعهم عند الحاجة.
وكان لهم ضباط يتولون تنظيمهم.
وكان النظام محكمًا لضبط تلك الكثر ومنعها من الاضطراب والاختلال والفوضى.