فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 27345

السؤال:

هل يحرم بالرضاع من رضع خمس رضعات من امرأة أجنبيّة عنه ، و لكن بعد أن اشتدّ عوده ، و بلغ مبلَغ الرجال ؟

الجواب:

أقول مستعينًا بالله تعالى:

هذه مسألة دقيقة لأهل العلم فيها مذاهبان ؛ أشهرهما مذهب الجمهور من السلف و الخلف ، و عليه أكثر الصحابة ، و أمهات المؤمنين عدا عائشة بنت الصدّيق رضي الله عنهم أجمعين ، و هو اشتراط أن يكون الرضاع للطفل قبل سنّ الفطام ، أي في الحولين الأولين من عمره عند الجمهور ، و حتى العامين و النصف عند أبي حنيفة ، و الثلاثة أعوام عند زُفَر ، و لا بأس بالأيّام القليلة بعد الحولين عند الإمام مالك ، و من أدلّتهم:

أوّلًا: قوله تعالى: ( و الوالدات يُرضِعنَ أولادهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يُتمّ الرضاعة ) .

و وجه الدلالة في هذه الآية على أن لا رضاعة محرِّمة بعد الحولين أنّها تنص على تمام الرضاعة فيهما ، و التام لا يقبل الزيادة ، و عليه فكلّ رضاعة بعد سنّ الفطام لا اعتبار لها في التحريم بالرضاع .

ثانيًا: روى الشيخان و غيرهما عن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنّ النبيّ صلى الله عليه و سلّم دخل عليها و عنده رجل ، فكأنّه تغيّر وجهه ، كأنّه كرِه ذلك ، فقالت: ( إنّه أخي ) فقال صلى الله عليه و سلّم: ( اُنظُرنَ مَن إخوانُكُنّ فإنّما الرضاعة من المجاعة ) .

قال الحافظ في الفتح ( 9 / 148 ) : قوله ( من المجاعة ) أي: الرضاعة التي تثبت بها الحرمة ، و تحل بها الخلوة هي حيث يكون الرضيع طفلًا يسد اللبن جوعته ، لأنّ معدته ضعيفة يكفيها اللبن ، و يُنبِتُ لحمَه فيكون جزءًا من المُرضِعة ا.هـ .

ثالثًا: روى الترمذي عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه و سلّم: ( لا يحرّم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي ، و كان قبل الفطام ) .

قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ، و العمل على هذا عند أصحاب النبي صلى الله عليه و سلّم و غيرهم ؛ أنّ الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين ، و ما كان بعد الحولين الكامِلَين فإنّه لا يحرّم شيئًا .

و الحديث عدا قوله: ( و كان قبل الفطام ) في سنن ابن ماجة أيضًا ، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما بإسناد صحيح .

و القول الثاني هو قول الظاهريّة بوقوع التحريم بالرضاعة للصغير و الكبير على حدٍّ سواء ، و عَدَم التفريق بين ما كان في الحولين أو بعدَهما ، و قد ذكر هذا القول ابن حزم الظاهري رحمه الله فأطال الكلام عنه في المحلى ( 10 / 10 و ما بعدها ) ، و انتصر له ، و هو مذهب عطاء بن رباح و الليث بن سعد ، و قبلَهما أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .

و عُمدة ؤلاء ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه و سلّم ، فقالت: يا رسول الله إنّي أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم و هو حليفه . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلّم: ( أرضعيه ) فقالت: و كيف أرضعه و هو رجل كبير ؟ فتبسّم رسول الله صلى الله عليه و سلّم و قال: ( قد علِمتُ أنّه رجل كبير ) .

و في رواية عند مسلم أيضًا عن عائشة رضي الله عنها أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة و أهله في بيته ، فأتت ابنة سهيل النبي صلى الله عليه و سلّم فقالت: إنّ سالمًا قد بلغ ما بلغ الرجال ، و عَقَل ما عقلوا ، و إنّّه يدخل علينا ، و إني أظنّ أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئًا ، فقال لها النبي صلى الله عليه و سلّم: ( أرضعيه تحرمي عليه ، و يذهب الذي في نفس أبي حذيفة ) فرجَعَت فقالت: إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة .

قلتُ: و هذا الحديث ظاهر في الدلالة على مذهب الظاهريّة في عدم التفريق بين الصغير و الكبير في التحريم بالرضاعة ، و لكنّه مُعارض بما تقدّم من أدلّة مذهب الجمهور ، و إذا كان القول به وجيهًا لذهاب أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها إليه ، و لعملها به حيث كانت ( كما في سنن أبي داود بإسناد صحيح ) تأمر بنات أخواتها و بنات إخوتها أن يُرضِعنَ من أحبت عائشة أن يراها ، أو يدخل عليها و إن كان كبيرًا خمس رضعات ثمّ يدخل عليها ، فإنّ هذا مخالف لما ذهَبت إليه بقيّة أمّهات المؤمنين الطاهرات رضوان الله عليهنّ أجمعين ، حيث لم يكنّ يُدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدًا حتى يرضع في المهد ، و قُلن لعائشة: ( و الله لا ندري لعلّها كانت رخصة من النبيّ صلى الله عليه و سلّم لسالم خاصّة ، فما هو بداخل علينا أحدٌ بهذه الرضاعة ، و لا رائينا ) كما أخبرت بذلك أم سلمة فيما رواه عنها مسلم و غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت