ولقد كان الرجل يمسي كافرًا وقلبه عامر بحب أولئك الأوثان من الحجارة وطغاة البشر , ثم يصبح مؤمنًا وقد محا من قلبه أي وجود لتلك الأوثان .
ولقد كان من مظاهر ولاء الكفار لطغاتهم أنهم كانوا يُكثرون من الثناء عليهم وذكر محاسنهم ويغضُّون الطرف عن مساوئهم,بل كانوا يسِّوغون مساوئهم ويحوِّلونها إلى محاسن ومحامد.
لقد كان أولئك الطغاة يقودون قومهم إلى الضلال في الدنيا والنار في الآخرة رغم وضوح الحق لهم واعتراف بعضهم بذلك , ومع ذلك يتبعهم عامة الناس إلى هذه الحياة المظلمة والمصير المهلك , وقد ألغوا عقولهم وحصروا تفكيرهم في محاولة كسب رضا أولئك الطغاة والحصول على شيء مما يجري على أيديهم من متاع الدنيا الزائل , أو كسب الجاه الوهمي الذي يحاول الطغاة رفعهم إليه .
ولقد كان يحصل من أولئك الطغاة غالبًا تمجيد لأولئك الأتباع الذين يسيرون في ركابهم , وثناء عليهم بذكر فضائلهم , وماذاك إلا لأن الطغاة لايقوم وجودهم إلا على أتباعهم من عموم الناس, فإذا فقدوا هذه القاعدة سقطوا , فوجود كل من الطائفتين مرتبط بوجود الطائفة الأخرى.
وكما أن العامة محتاجون إلى الطغاة في بعض أمور معاشهم وتَبوُّء المكانة الاجتماعية التي يطمحون إليها فإن الطغاة محتاجون إليهم لأنهم الركيزة التي يقوم عليها مجدهم , بل إن حاجة هؤلاء إلى العامة أعظم وأهم , لأن وجود مجدهم يقوم على أولئك العامة بينما يستطيع العامة لو عقلوا وتفكروا أن يتخلوا عنهم وأن يبحثوا عن مايحقق مصالحهم في الدنياوالآخرة .
وهكذا فعل المؤمنون في مكة حيث حرروا أنفسهم من أوهام الجاهلية ومن ربقة تبعية أولئك الطغاة, فأصبحوا ينظرون إليهم بازدراء واحتقار , ويعدُّونهم من معالم الوثنية التي جاء الإسلام للقضاء عليها وتحرير عقول الناس منها .
إن ماقام به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحرير عقول الناس من تبعية طغاة البشر قد أتاح لهم فرصة عظيمة من التفكير والإبداع في هذه الحياة , فليس أمام المؤمنين من يطلبون رضاه ويجتنبون سخطه إلا الله تعالى , ثم هم بعد ذلك يتحركون غير مقيدين بالخضوع لبشر مثلهم , وإن كان الإسلام قد أوجب عليهم طاعة ولاتهم فإن ذلك من طاعة الله جل وعلا , مادام الجميع خاضعين لذلك المبدأ العظيم وهو طلب رضوان الله تعالى واجتناب سخطه .
(1) مفردات الراغب /304 .
(2) المستدرك 4/605 .
(3) سيرة ابن هشام 1/91 .
(4) سيرة ابن هشام 1/86 .