فهرس الكتاب

الصفحة 5543 من 27345

استحالة الموضوعية في التاريخ

يرجع إلى كتاب"فكرة التقدم ، و"فلسفة التقدم

أزمة الإنسان الحديث لشارلز فرانكل

من كتاب"فلسفة التقدم: فلسفة جيمس . بيرد . ديوي وفكرة التقدم الأمريكية"تأليف: دافيد ومارسيل ، ترجمة خالد المنصوري ، نشر الأنجلو المصرية عام 1978

نقل مؤلفا الكتاب من كتاب تشارلز بيرد" ( 1874 - 1948 ) حوار حول الشئون البشرية": وتشارلز بيرد يقول عنه مؤلف الكتاب في ترجمة حياته"أصبح في اواخر حياته أقوى المؤرخين الأمريكيين نفوذا في القرن العشرين"ص 179 ، ورئيسا لرابطة التاريخ الأمريكي ص 182 يقول تشارلز بيرد:( يكمن داخل النسيج المفكك للتاريخ كواقع فعلي التاريخ كفكر ، …. والتاريخ كفكر هو ببساطة الفكر عن التاريخ"كواقع فعلي"، ولكن مثل هذا الفكر كان دائما فكرا انتقائيا وجزئيا وتقريبيا ، ولا يمكن أن يطابق على أي نحو ذلك التعقيد اللانهائي للنسيج المفكك .

إن التاريخ كفكر هو ما انتقاه المؤرخون هادفين من الواقع الفعلي للخبرة البشرية الماضية ، إنه إذا كان المؤرخون قادرين على المكابدة من أجل الوصول إلى الكمال والموضوعية في دراستهم لأدق قطاعات الماضي ، إلا أنه لا يزال عليهم أن يختاروا ويمايزوا ، كما أن اختيارهم يصطبغ حتما بأهدافهم الخاصة وتحيزاتهم ومعارفهم السابقة ، ولا يستطيع المؤرخون أن يعرفوا أو يكتبوا عن الماضي كما كان في الواقع فعلا ، وقد قال بيرد في وضوح"إن التاريخ كواقع فعلي غير معروف ولا يمكن معرفته"وكل جهود المؤرخين العلميين من اجل الوصول إلى تفسير كامل وموضوعي للتاريخ ليست سوى"حلم جميل"يشير إلى فشلهم في إدراك الفارق الحاسم بين التاريخ كفكر وبين التاريخ كواقع عملي ) ص 203

ومع ذلك فهو قد حاول - أي بيرد - ( أن يكون بمنأى عن هوة النسبية التاريخية الكاملة على عكس صديقه وزميله المفكر النسبي كارل بيكر صاحب كتاب المدينة الفاضلة الذي ترجمه الأستاذ الدكتور محمد شفيق غربال ) فإذا كانت الحتمية التاريخية المطلقة إمكانية غير مقبولة فإن بيرد لم يستسغ أيضا الحجة القائلة بأن من المستحيل معرفة أي شيء عن الماضي وهي الحجة التي أشار إليها تحت اسم"النسبية غيرالمحدودة"وحاول بيرد مثلما حاول جيمس أن يهتدي إلى سبيل وسط بين الطرفين النقيضين: الحتمية التاريخية والعدمية التاريخية ، وحدد نزعته تلك بطريقتين: الأولى أن المؤرخين وإن كانوا لا يمكنهم سوى تقديم تفسيرات جزئية ومختارة .. فإنهم مع هذا ملتزمون بأن يكونوا صادقين مع الدليل كما يتكشف لهم .. إن الحاجة إلى التمييز بين المعطيات الوثيقة الصلة بالموضوع وإلى تنظيم ما تم اختياره في تتابعات معينة تتضمن دائما العامل البشري ، ولكن يمكن استخدام المنهج التجريبي إلى أقصى حدوده لضمان أعلى قدر من الوضوح والموضوعية ) 204 ومن الواضح أننا قد وقعنا في حلقة مفرغة لأن تعليق شيء من الموضوعية على مدى صدق المؤرخ بالتزامه ، مسألة أخلاقية بحتة ، فضلا عن أن الخلل الذي يقع فيه المؤرخ من جهة الموضوعية يرجع جانب كبير منه إلى ضرورات: نفسية وعقائدية وبيئية . ولذلك يقول بيرد: ( إن التاريخ المكتوب هو دائما تاريخ مؤقت وقابل للتعديل في ضوء اكتشافات المستقبل ، ولكن المؤرخ حين يكتب التاريخ فإنه يفرض فلسفته على المواد المتاحة بين يديه ، وتكون النتيجة أساسا محاولة للتنبؤ بالماضي ) 204 ويقول: ( ليس بالإمكان وصف الواقع بدون مضامين فلسفية ، ولهذا فإن المؤرخ في واقع الأمر"فيلسوف يعمل مع الزمن"وكل ما يقدمه المؤرخ من اختيارات إنما تنبع من قناعاته الأخلاقية عن حركة التاريخ"ويتضح بهذا - كما يقول مؤلفا الكتاب - أن العلاقة بين التاريخ والمؤرخ - وفقا لبيرد - هي في غيرها علاقة أخلاقية ودينامية في بنيانها ن فالمؤرخ يتفاعل مع بيئته التاريخية بنفس الطريقة التي يتفاعل بها المرء مع المجتمع ص 205"

ويقول مؤلفا الكتاب: ( تقضي النزعة النسبية الجديدة كما عبر عنها علماء بارزون من أمثال وليام ب . مونرو بجامعة هارفارد الذي خلف بيرد في رئاسة رابطة العلوم السياسية الأمريكية عام 1927 وجيمس روبنسون صديق بيرد الحميم وزميله ، والمؤرخ هاري المر بارنيز بأن التاريخ والسياسة يعكسان الميول الذاتية للباحث ، وبهذا لا سبيل إلى الوصول إلى قوانين مطلقة تحكم الأحداث التاريخية والسياسية فحيثما وجد الباحث حدثا تاريخيا لدراسته فإن المنظور الخاص بالباحث يفسد الدراسة دائما

وذهب هنري أوزيورن تايلور إلى أن مزاج العصر يؤثر النسبية ، وان التاريخ المكتوب يعكس حتما الظروف الفكرية التي سادت في وقت كتابته .

وأفاض كارل بيكر في هذا الاتجاه حين تحدث أمام الجمعية التاريخية الأمريكية قائلا: إن كل إنسان هو مؤرخ نفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت