فهرس الكتاب

الصفحة 5551 من 27345

التسول بين الحاجة والاحتيال مهند عبد الرحمن البلاع*

كثيرًا ما تطالعنا هذه الأيام صور المتسولين وهم يفترشون الأرض على طول جانب المسجد الكبير، وتراهم يتشبثون بالمارة متوسلين وراجين العطية من ذوي القلوب الرحيمة والنفوس الكريمة، وما أن تطأ أقدامنا مسجدا ما حتى نجدهم محتشدين على بابه، يمارسون التسول بأبلغ العبارات وأشدها تأثيرًا في النفس وإثارة لكوامن العاطفة، وتستمر رحلة الشجن الأليم وتبلغ ذروتها ونحن في صحن المسجد نسبح ونتلوا الباقيات الصالحات بعد فراغنا من الصلاة، فإذا برجل يحكي مأساته: (أُحلت إلى المعاش؛ ولا أملك من الدنيا سوى حنجرتي هذه التي أسأل بها) ، ثم سادت برهة من الصمت الحزين اكتنفت المصلين والرجل يمسح دموعه قبل أن يستطرد قائلًا: (أنا أب لخمسة أطفال، أكبرهم حصل على الشهادة السودانية وفي طريقه للجامعة، ويعلم الله إني لا أملك رسوم دخول الجامعة؛ فأرجو من الله أن ييسر لي في هذه الجلسة من يتكفل بابني و...) .

حالات من الأسى والأسف تكسو وجوه المصلين وأنا أجول ببصري عليهم؛ ذاك رجل دس يده في جيبه بغية مساعدة السائل فأحدثت دنانيره رنينًا تناغم مع همهمات حزينة صدرت من بعض المصلين ، وهذا شاب بقربي يهز رأسه حسرة.

لم يكد الرجل يجلس مطرقًا برأسه إلى الأرض حتى انتصب آخر يحمل كمًّا من الأوراق في يده وراح يتمتم ويقول: (الحاجة وحدها هي التي دفعتني إلى أن أقف هذه الوقفة المحزنة أمامكم؛ فلولاها لما طرقنا الأبواب ولا سألنا الناس، عافاكم الله وأغناكم عن السؤال، إخوتي! أنا مريض بمرض الكلى عافاكم الله منه، وأنتم تعلمون تكلفة العلاج الباهظة؛ فكيف الحال إذا كان المرض مزمنًا؟!) ، وفجأة انخرط الرجل في بكاء حار، تقطعت له الأفئدة، ثم ما لبث أن جلس حتى قام طفل صغير ليكمل بقية المهمة عارضًا تلك الأوراق التي كان يحملها أبوه.. شهادات طبية، روشتات، ونتائج تحاليل تثبت حقيقة المرض.

ولا شك أن ما رصدناه من مواقف هي في الحقيقة مشاهد تراجيدية معتادة في مسلسل حياتنا اليومية؛ حتى أصبح تكرار هذه المشاهد لا يحدث أثرًا في النفوس، وإن تعددت العدسات، وأدى الممثلون دورهم بصورة بالغة الدقة؛ فبدلا من الانفعال، ومن ثم التفاعل أصبحت العيون والأفئدة تحفل بالشك والريبة.. فما هو سبب هذا النفور، وهذا الحذر؟!؛ أمات الوازع الديني؟!، أم نضب معين الأخلاق في مجتمعنا؟!، أم أصاب الشلل المشاعر الإنسانية؟..

أسئلة كثيرة دارت بخلدي وأنا أشاهد الآن عكس ما كان من مواقف صغتها بداية.. أين الخلل؟!؛ هل فقد الناس إنسانيتهم؟!، أم فقد السائل مصداقيته وتحول من ذي حاجة وعوز إلى محتال محترف؟!.

كلنا يعلم الأسباب التي تقود البعض إلى التسول؛ فعامل النزوح بسبب الحرب مثلًا يعتبر من أقوى أسباب التسول؛ إذ أن النازح يجد نفسه في وسط غير الوسط، ومجتمع قد يختلف من مجتمع النشأة؛ مما يحدث خللًا نفسيًا؛ يفقد الفرد الاتزان؛ فيكون التسول سبيله؛ لسد الرمق؛ متعللًا بأنه غريب في المدينة.

أيضًا العامل الاقتصادي، وتدهور الأحوال المعيشية من العوامل المحورية في قضية التسول؛ فالتضخم الذي تشهده أسواقنا، والانخفاض في قيمة العملة الوطنية أدى في النهاية إلى عجز ميزان الأسرة في إشباع الحاجات الضرورية كالغذاء والسكن والصحة والتعليم وما إليها من حاجات ضرورية لحياة الإنسان؛ فيكون رد الفعل الطبيعي هنا طرق كل باب يمكن من خلاله إشباع هذه الحاجات.. والتسول هو إحدى هذه الأبواب المشرعة لدى البعض.

كذلك انتشار البطالة بين الشباب خاصة يمكن أن يكون من العوامل التي تشجع على التسول، لا سيما إذا عرفنا أن دراسة اقتصادية أكدت أن حجم البطالة في البلاد العربية يتراوح مابين 10 إلى 15 مليون نسمة حاليا، مع توقع ارتفاعها إلى 25 نسمة بحلول عام 2010م؛ إذًا لابد للحكومات أن تضع حلولًا جذرية لمشكلة البطالة؛ حتى لا تكون ذريعة يتمسك بها البعض عند امتهانه للتسول.

الانحلال الأسري، وانفصال الأبوين قد يكون سببًا قويًا في امتهان التسول؛ حيث قد يصاب الأبناء بحالة من الضياع؛ تدفعهم لسؤال الناس في غياب الأبوين.

من واقع مشاهدتنا نلحظ أن التسول ظاهرة تبرز في مختلف أنحاء العالم؛ إذ لا تكاد تخلو دولة أيا كانت من متسولين وأصحاب حاجة وعوز، ولا تخص مجتمعات بعينها دون غيرها. وبذا تحول التسول من ظاهرة إلى سلوك تختلف درجة ممارسته من مجتمع لآخر، والطبيعي أن تكون الحاجة وحدها هي الدافع لهذا السلوك إلا أنه في الآونة الأخيرة نبتت ظاهرة (الاحتيال) وسط بعض المتسولين، أو على الأصح الذين يدعون الحاجة وما هم بمحتاجين؛ فكيف نفسر إذًا موقف ذلك المدعي الذي وقف أمام جمع المصلين في أحد المساجد.. وقف مدعيا أنه عابر سبيل، ولا يملك ما يمكنه من العودة إلى ذويه، ثم يقف الرجل نفس الوقفة بعد عام بذات الادعاء!.. أوَليس هذا احتيال؟!، أيعقل أن يظل رجل عاما كاملًا يجمع ثمن عودته؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت