فهرس الكتاب

الصفحة 7933 من 27345

السلطان عبد الحميد

( صفحة ناصعة من الجهاد والإيمان والتصميم لمواجهة تحديات الاستعمار والصهيونية)

الأستاذ أنور الجندي

ما نحسب أن شخصية في التاريخ الإسلامي المعاصر لقيت من الغبن والظلم والإعنات ما لقيت شخصية السلطان عبد الحميد الثاني، ولكن هذه السحابة ما لبثت أن انجابت بعد سنوات طوال، وتكشفت حقيقة هذا الرجل واستعلن موقفه الصامد، وجهاده الباسل ومقاومته العنيدة للمؤامرة الضخمة التي حاولت أن تستغله وتخدعه أو تغريه، ولكنه رفض الوعد والإغراء، وتحمل الوعيد والتآمر صابرًا صامدًا طوال حياته وسنواته الطويلة بعد موته.

وقد ظل الغموض يحيط بموقف السلطان عبد الحميد أكثر من خمسين عامًا، ثم لم يلبث أن تكشف قليلًا قليلًا، لقد تولى السلطان 1876 م، وخلع 1909 م وتوفي 1918 م.

وكانت حملات الصحف المارونية قد بدأت منذ تبين صلابة موقف الرجل، وقد استمرت هذه الحملات حتى دخلت إلى كتب الأدب والتاريخ المقررة على المدارس في أغلب البلاد العربية وظلت هذه الكتابات تلح على تصوير السلطان عبد الحميد بصورة الطاغية. المتسلك فترة تزيد على خمسين عامًا، ثم بدأ ينكشف موقف السلطان عبد الحميد جزئيًا بعد ترجمة بروتوكولات حكماء صهيون التي كشفت مخطط المؤامرة على الدولة العثمانية والخلافة، ثم تكشفت بصورة أوسع بعد ترجمة مذكرات هرتزل الذي روى بإفاضة وتوسع قصة الوساطة بينه وبين السلطان وعروضه ورد السلطان عليه.

رجل أريب:

ومن أهم ما يكشف عنه تاريخ السلطان عبد الحميد هو ذلك الفهم الوافر العميق للمؤامرة اليهودية الصهيونية، الممتدة من الماسونية إلى الدونمة إلى جماعة الاتحاد والترقي بكل أبعادها وأهدافها، هذه التي كانت خافية على ظاهر المواقف السياسية في البلاد العربية الإسلامية في ذلك الوقت، وكانت غامضة على الرأي العام في وقتها، بينما كانت واضحة مفهومة لدى السلطان.

وكانت تصرفاته استجابة لهذه الخفايا التي كانت تدبر، ولم تكن مكشوفة إلا للقلة، وكل ما نسب إلى السلطان عبد الحميد من اتهام بالرجعية أو الجمود أو العنف، إزاء الاتحاديين أو الدستور أو الحريات، إنما كان ينطلق من فهمه لأبعاد المؤامرة التي كان يدبرها الاتحاديون الأتراك مع اليهود الدونمة والقوى الخارجية، وإفساح المجال أمام تحقيق مؤامراتهم، بعد أن تبين لهم رفضه الصريح للعروض اليهودية التي قدمها له هرتزل وعدد آخر من اليهود - على ما فيها من إغراء - مادي لدولة مدينة في ذلك الوقت، وقد ظلت هذه الحقائق غامضة، حتى تكشفت من بعد أسرار الماسونية ومخطط الصهيونية.

دهاء السلطان عوض عن ضعف الدولة:

ولعل أبرز ما تميز به السلطان عبد الحميد الذي حكم من (1876 م إلى 1909 م) هو تلك البراعة والذكاء الخارقين. حتى وصفه أعداؤه قبل أنصاره بأنه أعظم داهية في عصره.

ويمكن القول أن هذا الرجل حين رأى الدولة العثمانية وقد فقدت التفوق في القوة العسكرية التي يمكن بها أن تقهر أعداءها فقد فتح الله تبارك وتعالة له بابًا من التعويض عن طريق ذلك الدهاء القوي، فاستطاع خلال هذه الفترة الطويلة من حكمه والتي بدأت فيها تلك المؤامرة الخطيرة، أن يواجه الأمر بحكمة أزعجت خصومه وأعجزتهم.

والمعروف أنه في عام 1897 م اجتمع مؤتمر بال وقرر اختيار فلسطين لإقامة الوطن القومي اليهودي، وتحدد أمر الاتصال بالسلطان والدولة العثمانية، ومن ثم بدأت المعركة الخفية بين السلطان واليهود، وخاصة بعد أن تبين لهم إصراره على عدم التسليم لهم بأي مطمع في فلسطين.

وكان السلطان عبد الحميد قبل ذلك قد أمضى عزيمته في الدعوة إلى الجامعة الإسلامية، وتجميع المسلمين من خارج الدولة العثمانية تحت لواء الخلافة، لمواجهة خطر النفوذ الاستعماري الزاحف على العالم الإسلامي.

ولقد بقيت صيحته استجابة في خارج الدولة العثمانية - بوصفه زعيمًا للعالم الإسلامي كله وليس للدولة العثمانية وحدها - والتف حوله العرب المسلمون والفرس والترك، لتعضيد الخلافة وللزود عنها دون قيد أو شرط.

وكان من أخطر هذه الانجازات تصفية موقف الخلاف بين تركيا وفارس وبين السنة والشيعة، ومن كلماته في هذا الصدد: أن السم القديم يجب ألا يسري في جسد آسيا القوى وعلى السنيين والشيعة أن يتحدوا لمقاومة أوربا في محاولتها قهر العالم.

المؤرخون ورأيهم:

ويرى المؤرخون أن عبد الحميد لما تولى الخلافة سنة 1876 م، وجد أن سلاح الدهاء السياسي هو السلاح الوحيد الذي يستطيع به أن يواجه مؤامرات الغرب (الاستعمار والصهيونية وروسيا القيصرية) التي كانت منذ سنوات طوال تحيك المؤامرات للقضاء على الدولة العثمانية، بوصفها ممثلة للوحدة الإسلامية القائمة بين العرب والترك، ومن ثم أخذ يوسع دائرة هذه الوحدة لتشمل مسلمي العالم كله، ومن ذلك كانت صيحته"يا مسلمي العالم اتحدوا"إزاء الغزو الاستعماري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت